نهج البلاغة - الدشتي، محمد - الصفحة ١٥٠
٢ . طُرُق معرفة اللّه
فَمَنْ فَرَّغَ قَلْبَهُ، وَأَعْمَلَ فِكْرَهُ، لِيَعْلَمَ كَيْفَ أَقَمْتَ عَرْشَكَ، وَكَيْفَ ذَرَأْتَ خَلْقَكَ، وَكَيْفَ عَلَّقْتَ فِي الْهَواءِ سَمَاوَاتِكَ، وَكَيْفَ مَدَدْتَ عَلَى مَوْرِ الْمَاءِ أَرْضَكَ، رَجَعَ طَرْفُهُ حَسِيراً، وَعَقْلُهُ مَبْهُوراً، وَسَمْعُهُ وَالِهاً، وَفِكْرُهُ حَائِراً.
٣ . الرّجاء و الأمل
منها : يَدَّعِي بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَرْجُو اللهَ، كَذَبَ وَالْعَظِيمِ! مَا بَالُهُ لاَ يَتَبَيَّنُ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ ؟ فَكُلُّ مَنْ رَجَا عُرِفَ رَجَاؤُهُ فِي عَمَلِهِ. وَكُلُّ رَجَاء ـ إِلاَّ رَجَاءَ اللهِ تَعَالَى ـ فَإِنَّهُ مَدْخُولٌ وَكُلُّ خَوْف مُحَقَّقٌ، إِلاَّ خَوْفَ اللهِ فَإِنَّهُ مَعْلُولٌ. يَرْجُو اللهَ فِي الْكَبِيرِ، وَيَرْجُو الْعِبَادَ فِي الصَّغِيرِ، فَيُعْطِي الْعَبْدَ مَا لاَ يُعْطِي الرَّبَّ! فَمَا بَالُ اللهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُقَصَّرُ بِهِ عَمَّا يُصْنَعُ بِهِ لِعِبَادِهِ؟ أَتَخَافُ أَنْ تَكُونَ فِي رَجَائِكَ لَهُ كَاذِباً؟ أَوْ تَكُونَ لاَ تَرَاهُ لِلرِّجَاءِ مَوْضِعاً؟ وَكَذلِكَ إِنْ هُوَ خَافَ عَبْداً مِنْ عَبِيدِهِ، أَعْطَاهُ مِنْ خَوْفِهِ مَالاَ يُعْطِي رَبَّهُ، فَجَعَلَ خَوْفَهُ مِنَ الْعِبَادِ نَقْداً، وَخَوْفَهُ مِنْ خَالِقِهِ ضِماراً وَوَعْداً. وَكَذلِكَ مَنْ عَظُمَتِ الدُّنْيَا فِي عَيْنِهِ، وَكَبُرَ مَوْقِعُهَا مِنْ قَلْبِهِ، آثَرَهَا عَلَى اللهِ تَعَالى، فَانْقَطَعَ إِلَيْهَا، وَصَارَ عَبْداً لَهَا.
٤ . سيرة النّبىّ(صلى الله عليه وآله وسلم)و الانبياء الالهيّين
وَلَقَدْ كَانَ فِي رَسُولِ اللهِ(صلى الله عليه وآله وسلم)كَاف لَكَ فِي الاُْسْوَةِ، وَدَلِيلٌ لَكَ عَلَى ذَمِّ الدُّنْيَا وَعَيْبِهَا، وَكَثْرَةِ مَخَازِيهَا وَمَسَاوِيهَا، إِذْ قُبِضَتْ عَنْهُ أَطْرَافُهَا، وَوُطِئَتْ لِغَيْرِهِ أَكْنَافُهَا، وَفُطِمَ عَنْ رَضَاعِهَا، وَ زُوِيَ عَنْ زَخَارِفِهَا. وَ إِنْ شِئْتَ ثَنَّيْتُ بِمُوسَى كَلِيمِ اللهِ(عليه السلام)حَيْثُ يَقُولُ: (رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْر فَقِيرٌ).[ ١ ] وَاللهِ، مَا سَأَلَهُ إِلاَّ خُبْزاً يَأْكُلُهُ، لاَِنَّهُ كَانَ يَأْكُلُ بَقْلَةَ الاَْرْضِ، وَلَقَدْ كَانَتْ خُضْرَةُ الْبَقْلِ تُرَى مِنْ شَفِيفِ صِفَاقِ بَطْنِهِ، لِهُزَالِهِ وَتَشَذُّبِ لَحْمِهِ. وَإِنْ شِئْتَ ثَلَّثْتُ بِدَاوُودَ(عليه السلام)صَاحِبِ الْمَزَامِيرِ، وَقَارِئِ أَهْلِ
[١] القصص: ٢٤.