الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٧ - فصل (في إثبات صانع العالم و بيان صفاته)
صوارفنا حدوثها أيضا، فعلمنا أن علة حاجتها إلينا حدوثها.
و الثاني: أن هذه الأشياء لها ثلاثة أحوال: حال عدم، و حال حدوث، و حال بقاء. فهي لا تحتاج إلينا في حال عدمها، لكونها معدومة في الأزل، و هي تستغني عني في حال بقائها، و انما تتعلق بنا و تحتاج إلينا في حال حدوثها، فعلمنا بذلك أن علة حاجتها إلينا الحدوث، فعند ذلك نحكم بحاجة الأجسام إذا ثبت حاجة حدوثها الى محدث للاشتراك في علة الحاجة.
و هذه الجملة كافية في هذا الباب، فان استيفاء ذلك ذكرناه في شرح الجمل، و في هذا القدر كفاية إن شاء اللّه تعالى.
و أما ما يجب أن يكون عليه من الصفات:
فأول ذلك أنه يجب أن يكون قادرا، لان الفعل لا يصح أن يصدر الا من قادر.
ألا ترى أنا نجد فرقا بين من يصح منه الفعل و بين من يتعذر عليه ذلك، فلا بد من أن يكون من صح منه الفعل مختصا بأمر ليس عليه من تعذر عليه ذلك و الا تساويا في الصحة أو التعذر [و قد علمنا خلافه] [١]. و أهل اللغة من اختص بهذه المفارقة يسمونه قادرا، فأثبتت المفارقة لمقتضى العقل و التسمية لأجل اللغة، فإذا كان صانع العالم صح منه الفعل وجب أن يكون قادرا.
على أنا دللنا على أن أفعالنا محتاجة إلينا دال على حاجتها الى من له صفة المختارين، فاسنادها الى من ليس له صفة المختارين في البطلان كبطلان إسنادها إلى مؤثر، و كلاهما فاسدان.
على أن صانع العالم لا يخلو من أن يكون قادرا مختارا أو موجبا هو علة أو سبب، و لا يجوز أن يكون علة و لا سببا، لأنهما لا يخلو من أن يكونا قديمين أو محدثين، فلو كانا محدثين لاحتاجا إلى علة أخرى أو سبب آخر، و ذلك يؤدي الى ما لا نهاية له من العلل و الأسباب، و ان كانا قديمين وجب أن يكون
[١] الزيادة من ر.