الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٧٩ - فصل (في الكلام في النبوة)
قلنا: الجواب عن ذلك من وجهين:
أحدهما: أن تمكين هؤلاء المذكورين من الفساد ليس باستفساد لأنه تمكين و تعريض الثواب أعظم من الثواب الذي عرضوا له مع عدم هؤلاء، فصار خلق هؤلاء و تمكينهم من الشبهات تمكينا من تكليف أشق و تعريضا لثواب أعظم، فخرج بذلك من الاستفساد، لان حد الاستفساد ما يقع عنده الفساد و لولاه لم يقع من غير أن يكون تمكينا، و هذا تمكين فخرج من الاستفساد.
و ليس لأحد أن يقول: تمكين الجن من إلقاء القرآن إلينا تمكين و ليس باستفساد. لأنا بينا أن ذلك يسد علينا الباب الموصل الى الفرق بين الصادق و الكاذب، و ذلك باطل بالاتفاق.
و الثاني: ان كل من فسد بدعاء إبليس و هؤلاء الممخرقين كان يفسد و ان لم يكن إبليس و لا أحد من هؤلاء، فلم يكن ذلك استفساد، كما يقول فيمن بطل عند متشابه القرآن و خلق إبليس و غيره. و لا يمكن ادعاء العلم الضروري في خلافه لان ذلك غير معلوم، و لا يمكن مثل ذلك في إلقاء الجن القرآن، لما بيناه من أن ذلك يؤدي الى سد الطريق في الفرق بين الصادق و الكاذب.
و هذا القدر كاف ههنا، فان استيفاءه يطول به الكتاب، و قد أجبت عن سؤال الجن بأن قلت: بأن ذلك يؤدي الى أن انشقاق القمر و طلوع الشمس من مغربها و قلع الجبال من أماكنها و طفر البحار العظام و فلق البحر لا يكون شيء من ذلك معجزا، لان جنسه داخل تحت مقدور القدر، و لا يمتنع أن يكون جميع ذلك من فعل بعض الجن. و من ارتكب فقال جميع ذلك لا يدل على النبوة، كفاه ما فيه من الشناعة.
و متى قالوا: حمل الأجسام العظيمة و قلع الجبال تحتاج الى أن يكون من حمل ذلك على بنية كثيفة تحتمل القدر الكثير، لأن الأجسام المتخلخلة لا يحملها مثل قدر الفيل و لا تحمل النملة من القدر ما تحمل الجبال، و لو حصل من له بنية