الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٤ - فصل (في الكلام في التكليف و جمل من أحكامه)
و لا يلزم على ذلك بعثة نبي يعلم انه لا يؤدي ما حمّله، لان بعثة نبي لا يؤدي إلينا ما لنا فيه مصلحة يمنع من إزاحة علتنا في التكليف و يوجب منع اللطف و التمكين، فلهذا لم يجز، لا لأنه تكليف من علم اللّه أنه يكفر. و لسنا ننكر أيضا ان يعرض في تكليف من علم اللّه أنه [يكفر وجه قبح يقبح تكليفه، بل لا ينكر ذلك في تكليف من علم اللّه أنه] [١] يؤمن، لأنه لو عرض فيه وجد المفسدة لقبح تكليفه و ان آمن.
فاذا ثبت حسن التكليف بمن علم أنه يؤمن و من علم أنه يكفر وجب أن يكون منقطعا، لان الغرض بالتكليف إذا كان هو الثواب فلو لم يكن التكليف منقطعا لانتقض الغرض بالتكليف، لان الثواب بالتكليف لا يمكن أن يكون مقترنا، لان من شأنه أن يكون خالصا صافيا من الشوب و التكدير حتى يحسن إلزام المشاق. و ذلك لا يصح مع التكليف، لان التكليف لا يعرى من مشقة، و ذلك يؤدي الى حصول الثواب على خلاف الوجه المستحق و يصرف به الغموم و المضار.
و أيضا لو اقترن الثواب بالتكليف لأدى الى أن يكون المكلف ملجأ، لأن المنافع العظيمة تلجئ الى فعل ما ضمنت عليه، و لذلك قلنا لا بد أن يكون بين زمان التكليف و بين حال الثواب زمان متراخ يخرج المكلف من حد الإلجاء. و انما كانت المنافع العظيمة العاجلة ملجئة لأنه يقتضي أن يفعل الطاعة لأجلها دون الوجوه التي يستحق عليها الثواب، و ذلك يخرجها من أن يستحق لها الثواب أصلا، و ذلك ينقض الغرض.
و أما القدر الذي يكون بين زمان التكليف و بين الثواب فليس بمحصور عقلا بل بحسب ما يعلمه اللّه تعالى، و انما يعلم على طريق الجملة انه لا بد من تراخ و مهلة.
[١] الزيادة ليست في ر.