الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢١٤ - دليل آخر على إمامته (
النبي (عليه السلام) عن هذا الأمر، فإن كان فينا عرفناه و ان كان في غيره أوصاه بنا. و يقول له في دفعة أخرى: أمدد يدك أبايعك فيقول الناس عم رسول اللّه بايع ابن عمه فلا يختلف عليك اثنان. و لو كان منصوصا عليه لما احتاج الى ذلك و كان لا يخفى على العباس.
قلنا: أما رغبته إلى سؤال النبي لم يكن لشك في مستحق الأمر، و انما قال ذلك ليعلم هل يثبت ذلك فيهم و يسلم لهم أم لا، فلذلك أراد مسألته لا عن موضع الاستحقاق. و أما مبايعته فقد بينا أنه انما طلب ذلك لما رأى أن القوم يتحادثون الأمر من جهة الاختيار و تركوا النص و دخلت اليه شبهة بين الأكثر أراد أن يحتج عليهم بمثل ما هم يطلبون، فلم يجبه أمير المؤمنين (عليه السلام) لما علمه من جهة النبي و ما يؤول الأمر إليه فلذلك لم يجب العباس الى ما دعاه إليه.
فإن قالوا: كيف يكون منصوصا عليه و هو يعينهم في كثير من الأحكام مستفهما و مستفتيا، فكان يجب أن ينقض أحكامهم لما أفضى إليه الأمر و كان ينبغي أن يسترد فدكا إلى أربابها، و في عدوله عن ذلك دليل على بطلان ما تدعونه.
قلنا: أما فتياه لهم فمما لا يسوغ له الامتناع منه، لان عليه إظهار الحق و الفتوى إذا لم يخف و آمن الضرر، و لا سؤال على من أظهر الحق و انما السؤال فيمن أبطن. و أما إقراره أحكام القوم فإنه لم يمكن خلاف ذلك و انما أفضى الأمر إليه بالاسم دون المعنى، و أكثر من بايعه كان معتقدا لامامة القوم، فكيف يتمكن من نقض أحكامهم، و لذلك قال لقضاته و قد سألوه: بم نحكم؟
فقال: اقضوا بما كنتم تقضون حتى يكون الناس جماعة أو أموت كما مات أصحابي- يعني من مات من شيعته- و خالف في مسائل علم شاهد الحال بأن الخلاف فيها لا يوحش و أمسك عما يورث الوحشة.
و أما فدك فإنما لم يردها لما قلناه من التقية و ان ردها يؤدي الى تظلم القوم