الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦٣ - فصل (في الكلام في النبوة)
فعلى وجه التبع، فلا يجوز أن يكون الأمر على هذا و مع هذا فلا يؤديه، لأن ذلك يخل بإزاحة علة المكلفين في تكليفهم، و ذلك لا يجوز.
و أما الكلام في النسخ فقد حكينا أن الخلاف المشهور فيه مع اليهود الذين منعوا النسخ، و هم ثلاث فرق: منهم من منع النسخ عقلا، و منهم من منعه سمعا، و منهم من اجازه و منع من صحة نبوة نبينا (عليه السلام). و نحن نتكلم عليهم واحدا واحدا بعد أن نبين حقيقة النسخ.
و النسخ في الشريعة عبارة عن كل دليل شرعي دل على أن مثل الحكم الثابت بالنص الأول زائل في المستقبل على وجه لولاه لكان ثابتا بالنص الأول مع تراخيه عنه.
و ذكرنا «المثل» دون «العين» لأنه لو نهاه عن نفس ما أمره به لكان ذلك قبيحا اما بأن يكون بداء أو فيه وجه آخر من وجوه القبح.
و خصصنا أدلة الشرع بذلك لان ما يزيل وجوب الفعل في المستقبل من العجز أو فقد الإله أو ما يجري مجرى ذلك لا يوصف بأنه نسخ و ان كان مزيلا لوجوب الفعل من حيث اختص هذا الوجه بأدلة الشرع.
و شرطنا التراخي لأن ما يقترن باللفظ من ذكر الغاية الدالة على زوال الوجوب عندها لا يوصف بأنه ناسخ. ألا ترى أن قوله «ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيٰامَ إِلَى اللَّيْلِ» [١] لا يقال «الى الليل» ناسخ لصوم النهار، و كذلك لو قال الزموا السبت الى وقت كذا لم يكن ما بعد ذلك الوقت ناسخا لما قبله و ان سقط الغرض فيه، و لو قال ذلك مطلقا ثم دل بعد ذلك على سقوط لزومه سمي ذلك نسخا للتراخي الذي قدمناه.
فاذا ثبت حقيقة النسخ في الشرع فالدليل على جوازه هو أن كل دليل
[١] سورة البقرة: ١٨٧.