الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٦ - فصل (في ذكر بيان ما يتوصل به الى ما ذكرناه)
حد ذلك بينوه لنقف عليه؟
قلنا: أحوال الناس تختلف في ذلك: فمنهم من يكفيه الشيء اليسير، و منهم من يحتاج الى أكثر منه بحسب ذكائه و فطنته و خاطره حتى يزيد بعضهم على بعض الى أن يبلغ الى حد لا يجوز له الاقتصار على علم الجملة بل يلزمه على التفصيل لكثرة خواطره و تواتر شبهاته. و ليس يمكن حصر ذلك لشيء لا يمكن الزيادة عليه و لا النقصان عنه.
فان قيل: فعلى كل حال بينوا لذلك مثالا على وجه التقريب.
قلنا: أما على وجه التقريب فانا نقول: من فكر في نفسه فعلم أنه لم يكن موجودا ثم وجد نطفة ثم صار علقة ثم مضغة ثم عظما ثم جنينا في بطن أمه ميتا ثم صار حيا فبقي مدة ثم ولد صغيرا فتتقلب به الأحوال من صغر الى كبر و من طفولة الى رجولة و من عدم عقل الى عقل كامل ثم إلى الشيخوخة و الى الهرم ثم الموت، و غير ذلك من أحواله، علم أن هنا من يصرفه هذا التصريف و يفعل به هذا الفعل، لأنه يعجز عن فعل ذلك بنفسه، و حال غيره من أمثاله حاله من العجز عن مثل ذلك.
فعلم بذلك أنه لا بد من أن يكون هناك من هو قادر على ذلك مخالف له، لأنه لو كان مثله لكان حكمه حكمه. و يعلم أنه لا بد أن يكون عالما من حيث أن ذلك في غاية الحكمة و الاتساق، مع علمه الحاصل بأن بعض ذلك لا يصدر ممن ليس بعالم، و بهذا القدر يكون عالما باللّه تعالى على الجملة.
و هكذا إذا نظر في بذر يبذر فينبت منه أنواع الزرع و الغرس و يصعد الى منتهاه، فمنه ما يصير شجرا عظيما يخرج منه أنواع الفواكه و الملاذ، و منه ما يصير زرعا يخرج منه أنواع الأقوات، و منه ما يخرج منه أنواع المشمومات الطيبة الروائح، و منه ما يكون خشبة في غاية الطيب كالعود الرطب و غير ذلك،