الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٥ - فصل (في الكلام في النبوة)
بعض هذه الأمور كان حسنا. و الصلاة و الصوم و جميع العبادات انما يقبح في العقل متى خلت من فائدة و منفعة و غرض، فاذا عرض فيها نفع و غرض صحيح فإنما يخرج من القبح الى الحسن. و إذا كان السمع ورد بأن لنا في هذه العبادات منافع وجب أن يحسن، لأنا لو علمنا ذلك بالعقل لعلمنا حسنه.
و لا طريق إلى معرفة النبي الا بالمعجز، و المعجز في اللغة عبارة عمن جعل غيره عاجزا، مثل المقدور الذي يجعل غيره قادرا الا أنه صار بالعرف عبارة عما يدل على صدق من ظهر على يده و اختص به، و المعتمد على ما في العرف دون مجرد اللغة.
و المعجز يدل على ما قلناه بشروط: أولها أن يكون خارقا للعادة، و الثاني أن يكون من فعل اللّه أو جاريا مجرى فعله، و الثالث أن يتعذر على الخلق جنسه أو صفته المخصوصة، و الرابع أن يتعلق بالمدعي على وجه التصديق لدعواه.
و انما اعتبرنا كونه خارقا للعادة لأنه لو لم يكن كذلك لم يعلم أنه فعل للتصديق دون أن يكون فعل بمجرى العادة. ألا ترى انه لا يمكن أن يستدل بطلوع الشمس من مشرقها على صدق الصادق و يمكن بطلوعها من مغربها، و ذلك لما فيه من خارق العادة.
و اعتبرنا كونه من فعل اللّه لان المدعي إذا ادعى أن اللّه تعالى يصدقه بما يفعله فيجب أن يكون الفعل الذي قام مقام التصديق من فعل من طلب منه التصديق و الألم يكن دالا عليه، و فعل المدعي كفعل غيره من العباد لأنه لا يدل على التصديق، و انما يدل فعل من ادعى عليه التصديق.
فان قالوا: ليس لو كان القرآن من فعل النبي (عليه السلام) لدل على صدقه و كذلك نقل الجبال و طفر البحار يكون معجزا، و ان كان جميع ذلك من فعل المدعي للنبوة.