الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٥٣ - فصل (في الكلام في النبوة)
عليه تعالى إزاحة علة المكلف في فعل اللطف على ما مضى القول فيه.
و لا يمكن أعلام ذلك الا ببعثة الرسل الذين يعلمونا ذلك، لأنه لا يمكننا الوصول إليه بضرورة العقل و لا باستدلال، و لا يحسن خلق العلم الضروري بذلك لأنه ينافي التكليف، فلم يبق بعد ذلك الا بعثة الرسل ليعرفونا ذلك.
و على هذا الوجه متى حسنت البعثة وجبت، و لا ينفصل الحسن من الوجوب.
و انما قلنا «لا يحسن خلق العلم الضروري بذلك» لأنا بينا أن معرفة اللّه تعالى انما تكون لطفا إذا كانت كسبية، و العلم بالشرائع فرع على العلم باللّه، فلا يجوز أن يكون الفرع ضروريا و الأصل كسبيا، فيكون الفرع أقوى من الأصل.
و يجوز أن يبعث اللّه تعالى نبيا ليؤكد ما في العقول و ان لم يكن معه شرع، و لا يكون ذلك عبثا، لأنه لا يمنع أن يكون نفس بعثته لطفا للمكلفين.
فعلى هذا يجب إظهار المعجزات على يده، لأنا فرضنا أن في بعثته لطفا و لو لم يكن في بعثته لطف لما كان أيضا عبثا، كما لا يكون نصب أدلة كثيرة على شيء واحد عبثا و ان كان الدليل الواحد كافيا في هذا الباب.
و أما النظر في معجزة فإن كان معه شرع أو كان نفس بعثته لطفا فإنه يجب علينا، و ان لم يكن كذلك بل بمجرد ما في العقل فإنه يحسن النظر في معجزة و ان لم يجب. و متى التزمنا على ذلك جواز إظهار المعجزات على يدي الأئمة و الصالحين فانا نلتزمه، و سنتكلم عليه فيما بعد إن شاء اللّه.
و يحسن بعثة الأنبياء لأمور أخر، نحو تعريفنا القطع على عقاب الكفار، و ليعرفونا بعض اللغات، و ليعرفونا الفرق بين السموم القاتلة و الأغذية، و كثيرا من مصالح الدنيا على ما بيناه و فرعناه في شرح الجمل. و ان لم يكن جميع ذلك واجبا، لإمكان الوصول الى هذه الأشياء من غير جهة الأنبياء، على ما بيناه في الشرح.