ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ١١٣ - المقصد الثاني في حكم الغناء شرعا
معرفة أحوال رسول اللّه ٦ و أصحابه، و التابعين، و استروح إلى استحسان بعض المتأخّرين، و كثيرا ما يغلط الناس في هذا، و كلّما احتجّ عليهم بالسلف الماضين يحتجّون بالمتأخّرين، و كان السلف أقرب إلى عهد رسول اللّه و هديهم أشبه بهدي رسول اللّه ٦ انتهى.
و في هذا الاستدلال نظر:
أمّا أوّلا: فلأنّ أفعال أمثال عثمان و ابن عمر و أقوالهم ليست بالمعوّل عليها عندنا.
و أمّا ثانيا: فلأنّه لم يعلم أنّ احترازهم كان عن أيّ نوع من الغناء، بل الظاهر اختصاصه بما كان مقترنا بالملاهي كما يكشف عنه زمّارة الراعي.
و أمّا ثالثا: فلأنهم كانوا مواظبين على فعل المستحبّات و ترك المكروهات اهتماما بكونهم على سنّة رسول اللّه ٦ و لذا سمّى من تبعهم أنفسهم بأهل السّنة، و إن اعترف بعضهم بأن هذه التسمية من قبيل التسمية بالضدّ، فاحترازهم لا يتعيّن كونه للحرمة أو لخصوصية الصوت المطرب.
قال الغزالي: و أمّا قول ابن عمر «ألا لا سمع اللّه لكم» فلا يدلّ على التحريم من حيث إنه غناء، بل كانوا محرمين و لا يليق بهم الرفث، و ظهر له من مخايلهم أنّ سماعهم لم يكن لوجد و شوق إلى زيارة بيت اللّه، بل لمجرّد اللهو، فأنكر ذلك عليهم لكونه منكرا بالإضافة إلى حالهم و حال الإحرام، و حكايات الأحوال تكثر فيها وجوه الاحتمال.
و أمّا وضع إصبعيه في أذنيه فيعارضه أنه لم يأمر نافعا بذلك و لا أنكر عليه سماعه، و إنّما فعل ذلك هو لأن ينزّه سمعه في الحال، و قلبه، عن صوت ربما يحرّك اللهو، و يمنعه عن فكر كان فيه أو ذكر هو أولى منه.
و كذلك، فعل رسول اللّه ٦ مع أنه لم يمنع ابن عمر لا يدلّ أيضا على التحريم، بل يدل على أن الأولى تركه.
و نحن نرى أنّ الأولى تركه في أكثر الأحوال، بل أكثر مباحات الدنيا الأولى تركها إذا