ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ١٥٥ - الثالث
و الرواية غير معوّل عليها عندنا، و على فرض صحّتها مصروفة الظاهر، لمخالفتها لقواعد العدل، فيمكن إرادة التألّم من العذاب، أي: يحزن و يتألّم باطلاعه على هذا الفعل.
و أوّلها الشهيد في (الذكرى) بأنّ الجاهلية كانوا ينوحون، و يعدّدون جرائمه كالقتل و شنّ الغارات، و هم يظنّونها خصالا محمودة، فهو يعذّب بما يبكون عليه، قال: و يشكل أنّ ظاهر الحديث المنع عن البكاء بسبب استلزامه عذاب الميّت بحيث ينتفي التعذيب بسبب انتفاء البكاء، قضيّة للعليّة، و التعذيب بجرائمه غير منتف بكا عليه أولا؟
و قيل: كأنّهم كانوا يوصون بالندب و النياحة، و ذلك حمل منهم على المعصية و هو ذنب، فإذا عمل بوصيّتهم زيدوا عذابا.
و ردّ: بأنّ ذنب الميت الحمل على الحرام و الأمر به، فلا يختلف عذابه بالامتثال و عدمه، و لو كان للامتثال أثر لبقي الإشكال.
إلى أن قال: و لك أن تقول: إنّ «الباء» بمعنى «مع» أي مع بكاء أهله عليه، يعني: أنّ الميّت يعذّب بأعماله، و هم يبكون عليه، فما ينفعه بكاؤهم، و يكون زجرا عن البكاء لعدم نفعه [١] انتهى.
و في بعض ما ذكره نظر، و لعلّ ما أشرنا إليه في تأويل الرواية أظهر، وفاقا لبعض المحقّقين من أهل النظر، فتدبّر.
و ليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المختصر، و قد سميناه (بذريعة الاستغناء في تحقيق مسألة الغناء). فللّه الحمد، و على رسوله أفضل التحيّات و الثناء.
[١]. ذكري الشيعة، ص ٧٢.