ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ٧١ - المقصد الأوّل في بيان ماهيّة الغناء لغة و عرفا
ثمّ إذا عرفت ذلك كلّه، فاعلم أنّ الغناء ليس موضوعا لمجرّد الصوت لغة و لا عرفا، إذ من البديهيّ أنّ أصوات الطيور مثلا لا تسمّى غناء حقيقة و إن أطلق عليها مجازا كما قال النابغة:
بكاء حمامة تدعو هديلا * * *مفجعة على فنن تغنّي [١]
قال السيّد المرتضى ; في «غرره و درره» فشبّه صوتها لما أطرب إطراب الغناء، بالغناء انتهى [٢].
فسقط ما في المصباح من تفسيره بالصوت [٣] إن أراد به ظاهره، و لا يثبت الوضع بقول لغويّ واحد، و لا سيّما إذا كان معارضا بمخالفة الأكثر، و قد بيّنا في المقدمة الخامسة أن الظنّ الحاصل بقول اللغويّ ليس من الظنون المخصوصة الخارجة عن أصالة حرمة العمل بالظنّ، و ليس من الظنون اللفظية، هذا، مع أنّه لا ظنّ مع مخالفة أكثر اللغويين.
بل، هو موضوع قطعا للصوت المكيّف بكيفية خاصّة، مردّدة بين الكيفيّات المذكورة، و الرجوع إلى العرف لعدم انضباطه غير مجد في الكشف عن الوضع اللغويّ، و أكثر الكيفيات المذكورة غير مذكور في كتب اللغة، و إنّما المذكور فيها أمور أشهرها اعتبار الترجيع و التطريب خاصّة.
فالأظهر ثبوت وضع هذا اللفظ لكلّ صوت مشتمل على الوصفين.
مع احتمال وضعه للمشتمل على الأوّل خاصّة، نظرا إلى الأصل، فتدبّر.
و يمكن القول بأنّ هذا اللفظ صار حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ و المقترن بالملاهي، لشيوع استعماله فيهما، و كثرة وجودهما في جميع الأعصار بحيث يكونان متبادرين من إطلاق هذا اللفظ، بل يمكن دعوى تبادرهما- و لو مع قطع النظر عن كثرة الاستعمال و غلبة الوجود- فتأمل.
و الحاصل: أن الغناء حقيقة عرفية في الصوت اللهويّ بالمعنى الأعم، أي ما يتلهّى به من
[١]. ديوان النابغة الذبياني، ص ١٣٦.
[٢]. غرر الفوائد و درر القلائد «أمالي السيد المرتضى»، ج ١، ص ٢٥.
[٣]. المصباح المنير للفيومى، ص ١٢٦- ذيل مادّة غنّ.