ذريعة الاستغناء في تحقيق الغناء - ملا حبيب الله الكاشاني - الصفحة ١٠٤ - المقصد الثاني في حكم الغناء شرعا
إلى أن قال: السابع: سماع من أحبّ اللّه و عشقه و اشتاق إلى لقائه، فلا ينظر إلى شيء إلّا رآه فيه، و لا يقرع سمعه قارع إلّا سمعه منه أو فيه، فالسماع في حقّه مهيّج لشوقه و مؤكّد لعشقه و حبّه، و مور زناد قلبه، و مستخرج منه أحوالا من المكاشفات و الملاطفات لا يحيط الوصف بها، يعرفها من ذاقها و ينكرها من كلّ حسّه عن ذوقها، إلى آخر ما ذكره. [١]
فظهر: أنّ الصوت المطرب لا ينحصر أثره في حصول الميل إلى الفسوق و الفجور حتّى يحكم العقل بحرمته مطلقا، بل هو حاكم بحرمة نوع خاصّ منه، و هو ما استدعى المحرّم أو اقترن به.
و هذا هو ما قيل فيه من: أنّ الغناء مفسدة للقلب مسخطة للربّ.
و ما قيل: إيّاكم [٢] و الغناء فإنّه يزيد الشهوة، و يهدم المروّة، و إنه لينوب عن الخمر، و يفعل ما يفعل المسكر. [٣]
قال بعض العارفين: و إن أنصف المنصف و تفكّر في اجتماع أهل الزمان و قعود المغنّي بدفّه، و المشبّب بشبابته، و تصوّر في نفسه: هل وقع مثل هذا الجلوس و الهيئة بحضرة رسول للّه ٦ و هل استحضروا قوّالا و قعدوا مجتمعين لاستماعه؟ و لا شكّ بأنّه ينكر ذلك من حال رسول اللّه ٦ و أصحابه. انتهى.
و أمّا ما لم يكن بهذه المثابة، فلا حكم للعقل بقبحه، و لا سيّما إذا كان موجبا للانقطاع عن شهوات الدنيا، بل العقل حاكم بحسنه، و لذا قيل: إنّهم ما اختاروا السماع حيث اختاروه إلّا بشروط و قيود و آداب يذكرون به الآخرة، و يرغبون في الجنّة، و يحذرون من النار، و
[١]. احياء علوم الدين، ج ٢، صص ٣٠٠- ٣٠٤.
[٢]. قيل هذا من قول يزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان ثاني عشر خلفاء بنى أمية. راجع اتحاف السادة المتقين، ج ٦، ص ٥٢٦.
[٣]. احياء علوم الدين، ج ٢، ص ٣١١- ايضا الدرّ المنثور في التفسير بالمأثور لجلال الدين عبد الرحمن السيوطي، ج ٥، ص ١٥٩.