خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٨٨ - المجلس الأول
قد أجنت سكرا جّما و رزقا حسنا* * * أعجزت من منتهى الفخر السعيد لسنا
يروقك في أطرافها حسن الصور و جمالها، و طرف الصنائع و كمالها، و الفعلة و أعمالها، حتى الأطلال و انهمالها، و السؤال و أسمالها:
كلّ عليه من المحاسن لمحة* * * في كل طور للوجود تطوّرا
كالروض يعجب في ابتداء نباته* * * و إذا استجم به النبات و نوّرا
و إذا الجمال المطلق استشهدته* * * ألغيت ما انتحل الخيال و زوّرا
ثم قال أيّ آمن عري من مخافه، و أيّ حصافة لا تقابلها سخافة، و لكل شيء آفة. لكنّها و اللّه بردها يطفئ حرّ الحياة، و يمنع الشفاه عن ردّ التحيات، و أسعارها يشعر معيارها بالترّهات، و عدوّها يعاطى كؤوس الحرب بهاك و هات. إلى السكك التي بان خمولها، و لم يقبل الموضوع محمولها، و الكرب الذي يجده الإنسان فيها، صادف إضاقة أو ترفيها، و المكوس التي تطرد البركة و تنفيها. إلى سوء الجوار و جفاء الزوّار، و نزالة الديار، و غلاء [٤١٦] الخشب و الجيّار [٤١٧] و كساد المعائش عند الاضطرار، و إهانة المقابر
[٤١٦] أشار المؤرّخون المعاصرون أمثال ابن خلدون في مقدمته (ص ٣٦٤، ص ٤٣٢) و الحسن النباهي في كتابه المرقبة العليا (ص ١٦٤ نشر ليفي بروفنسال) إلى غلاء المعيشة في غرناطة، و أرجعوا ذلك إلى صعوبة أرضها الجبلية و حاجتها المستمرّة إلى الكثير من العناية و الجهد و الأموال لإصلاحها. و قد نتج عن ذلك أن اشتغل الناس بمشاكل هذه الحياة القاسية و انصرف معظمهم عن التعليم الذي كانت أجوره مرتفعة كذلك. و اضطرّ عدد كبير من أهل غرناطة إلى الرحيل إلى مصر- زعيمة العالم الإسلامي في ذلك الوقت (القرن ١٤ م)- حيث المدارس الكثيرة العدد، و التعليم المجاني، و المنح الدراسية (الجرايات) و دور الإقامة للطلبة الغرباء (الأروقة)، هذا إلى جانب رخص المعيشة و توفر أسبابها و قد بلغ من كثرة عدد المسافرين من مدينة غرناطة إلى المشرق أن سمّي أحد أرباضها الخارجية باسم (حوز الوداع) و هو المكان الذي اعتاد فيه الغرناطيون توديع أهاليهم و أحبابهم قبل رحيلهم. راجع (المقّري:
نفح الطيب ج ١٠، ص ٢٣٠).
و غير بعيد بالمرّة أن يكون هذا المكان هو نفس المكان المعروف حتى اليوم باسمdel moro Suspiro أي زفرة العربي، و الذي ترجعه الرواية الإسبانية إلى الملك أبي عبد اللّه بن الأحمر آخر ملوك غرناطة حينما غادر ملكه و بلاده، و وقف في هذا المكان و هو يبكي ليلقي آخر نظرة على موطن عزه و مجد آبائه سنة ١٤٩٢. و تضيف الرواية أن أمّه عائشة قالت له وقتئذ:
«أجل فلتبك كالنساء ملكا لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال. انظر
( J. F. Kirk: Prescott s Ferdinand and Isabella p. ٥٦٢.
[٤١٧] الجيار: الكلس قبل أن يطفأ.