خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٧١ - المجلس الأول
فماذا عسى أن ينظر الدهر ما عسى* * * فما انقاد للزجر الحثيث و لا لانا
جزينا صنيع الله شرّ جزائه* * * فلم نرع ما من سابق الفضل أولانا
فيا ربّ عاملنا بما أنت أهله* * * من العفو واجبر صدعنا أنت مولانا
ثم قال:
لقد مات أخواني الصالحون* * * فما لي صديق و لا لي عماد
إذا أقبل الصبح ولىّ السرور* * * و إن أقبل الليل ولىّ الرقاد
فتملكتني له رقّة، و هزّة للتماسك مسترقة، فهجمت على مضجعه هجوما أنكره، و راع شاءه و عكره، و غطّى بفضل ردنه سكّره، فقلت له على رسلك أيها الشيخ، ناب حنّت إلى حوار، و غريب أنس بجوار، و حائر اهتدى بمنار، و مقرور قصد إلى ضوء نار، و طارق لا يفضح عيبا، و لا يثلم غيبا، و لا يهمل شيبا، و لا يمنع سببا. و منتاب يكسو الحلّة، و يحسن الخلّة، و يفرغ الغلّة، و يملأ القلّة:
أجارتنا إنا غريبان هاهنا* * * و كلّ غريب للغريب نسيب
فلمّا وقم الهواجس و كبتها، و تأمّل المخيلة و استثبتها، تبسّم لما توسّم، و سمح بعد ما جمح، فهاج عقيما فتر، و وصل ما بتر و أظهر ما خبّأ تحت ثوبه و ستر، و ماج منه البحر الزاخر، و أتى بما لا تستطيعه الأوائل و لا الأواخر.
و قال و قد ركض الفنون و أجالها، و عدّد الحكم و رجالها، و فجّر للأحاديث أنهارها و ذكر البلدان و أخبارها.
لقد سئمت مآربي* * * فكأنّ أطيبها خبيث
إلا الحديث فإنه مثل اسمه أبدا حديث
فلما ذهب الخجل و الوجل، و طال المرويّ و المرتجل، و توسّط الواقع و تشوّفت للنجوم المواقع، و توردت الخدود الفواقع، قلت أيها الحبر، و اللج الذي لا يناله السّبر، لا حجبك قبل عمر النهاية القبر، و أعقب كسر أعداد عمرك المقابلة بالقبول و الجبر، كأنّا بالليل قد أظهر لوشك الرحيل الهلع، و الغرب الجشع لنجومه قد ابتلع، و مفرّق الأحباب و هو الصبح قد طلع، فأولني عارفة من معارفك أقتنيها، و اهزز لي أفنان حكمك أجتنيها. فقال