خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١٠١ - المجلس الثاني
قلت فمدينة سلا [٤٦٣]، قال العقيلة المفضّلة، و البطيحة المخضّلة، و القاعدة المؤصّلة، و السورة المفصّلة، ذات الوسامة و النضارة، و الجامعة بين البداوة و الحضارة. معدن القطن و الكتّان، و المدرسة و المارستان، و الزاوية كأنها البستان و الوادي المتعدّد الأجفان، و القطر الآمن عند الرجفان، و العصير العظيم الشان، و الأسواق الممتازة حتى برقيق الحبشان. اكتنفها المسرح و الخصب الذي لا يبرح، و البحر الذي يأسو و يجرح، و شقّها الوادي يتمّم محاسنها و يشرح. و قابلها الرّباط [٤٦٤] الذي ظهر به من المنصور الاغتباط، حيث القصبة و الساباط [٤٦٥] و وقع منه بنظرة الاعتباط، فاتسع الخرق و عظم الاشتطاط، و بعد الكمال يكون الانحطاط.
إلى شالة [٤٦٦] مرعى الذمم و نتيجة الهمم، و مشمخ الأنوف ذوات الشمم، و عنوان بر الدّيّم، حيث الحسنات المكتتبة، و الأوقاف المرتبة، و القباب كالأزهار مجودة بذكر الله أناء الليل و أطراف النهار، و طلل حسّان المثل في الاشتهار [٤٦٧]. و هي على الجملة من غيرها أوفق، و مغارمها لاحترام الملوك الكرام أرفق، و مقبرتها المنضّدة عجب في الانتظام، معدودة في المدافن العظام، و تتأتى بها للعبادة الخلوة، و توجد عندها للهموم السلوة، كما قال ابن الخطيب:
وصلت حثيث السير فيمن فلا الفلافلا خاطري لمّا نأى و انجلى انجلى
و لا نسخت كربي بقلبي سلوة* * * فلمّا سرى فيه نسيم سلا سلا
[٤٦٣]Sale راجع ما سبق أن قيل عن هذه المدينة في الرسالة الثانية ص (٣٩).
[٤٦٤] مدينة رباط عاصمة المغرب الأقصى اليوم، بناها الخليفة المنصور أبو يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن (٥٥٤- ٥٩٥ ه) أعظم ملوك الموحدين، و سمّاها (رباط الفتح) و هذه المدينة تقابل و تواجه مدينة سلا فقيل الرباط و سلاه و يفصلهما وادي أبو الرقراق (بور جراج) (السلاوي: الاستقصا ج ١، ص ١٦٤- ١٨١).
[٤٦٥] الساباط، سقيفة بين دارين، تحتها طريق و جمعها سوابيط و ساباطات
[٤٦٦]Chella شالة سلا حيث مقابر ملوك بني مرين. راجع ما قلناه عنها سابقا (ص ١٣).
[٤٦٧] إشارة إلى مسجد حسان بمدينة الرباط الذي كان من أعظم مساجد الإسلام، بناه الخليفة الموحدي يعقوب المنصور و سمّي باسم مهندسه حسّان. و قد تعرض هذا المسجد لحريق و زلزال أطاح بطرف صومعته و صار مضرب الأمثال في الشهرة و الاعتبار.