خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٦٢ - الرسالة الثانية مفاخرات مالقة و سلا
كثيرة، و مساجده أثيرة، و أرباضه حافلة، و في حلل الدوح رافلة، و سككه غاصّة، و أسواقه بالدكاكين متراصّة، أقسم لربض من أرباضها أعمر من مدينة سلا، و أبعد عن وجود الخلا، و املأ مهما ذكر الملأ، بلد منخرق منقطع منفرق، ثلثه مقبرة خالية، و ثلثه خرب بالية، و بعضه أخصاص و أقفاص، و معاطن و قلاص، و أواري بقر تحلب، و معاطن سائمة تجلب.
و أما الإمارة، فلمالقة القدح [٣٢٦] المعلّى، و التّاج المحلّى، و هو على كل حال بالفضل الأولى، حيث مناهل المختص، و الخارج الأفيح الفحص. و سلا لا تأكل إلا من غرارة جالب، لا من فلاحة كاسب. و مالقة مجتزئة بنفسها في الغالب، محسبة من شرقيها و غربيها بطلب الطالب.
و أما النضارة، فمن ادّعى أنّه ليس في الأرض مدينة أنضر منها جنابا، و لا أغزر منها غروسا و أعنابا، و لا آرج أزهارا و لا أضوأ نهارا، لم تكذب دعواه، و لا أزرى به هواه، إنما هي كلّها روض وجابية و حوض بساتين قد رقمتها الأنهار و ترنّمت بها الأطيار.
و سلا بلد عديم الظلال، أجرد التلال، إذا ذهب زمن الربيع و الخصب المريع، صار هشيما، و أضحى ماؤها حميما، و انقلب الفصل عذابا أليما.
أما المساكن، فحسبك ما بمالقة من قصور بيض، و ملك طويل عريض جنّة السيد [٣٢٧]، و ما أدراك ما بها من جنّة دانية القطوف، سامية السقوف، ظاهرة المزية و الشفوف، إلى غيرها ممّا يشذّ عن الحصر، إلى هذا العصر.
و الجنّات التي ملأت السهل و الجبل، و تجاوزت الأمل، بحيث لا أسد يمنع من الأصحار بالعشي و الأسحار، و لا لص يستجن بسببه في الديار.
[٣٢٦] القدح المعلى: السهم السابع في الميسر عند العرب في الجاهلية. و هو أكثر السهام ربحا.
و المعنى هنا مجازي للدلالة على علوّ شأن المدينة. انظر (ابن قتيبه: الميسر و القداح (القاهرة ١٣٤٣).
[٣٢٧] جنة السيد: يبدو أن هذا الاسم قد أطلق على قصر هناك لبعض أمراء الموحدين، انظر:
( Oliver Hurrtado: Granada y sus Monumentos arabes, p, ٥٦٣ y nota I )