خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٣٧ - الرسالة الأولى خطرة الطيف في رحلة الشتاء و الصيف
و كان ملقى الحران منابت الزعفران بسطة [١٠٦] حرسها الله، و ما بسطة محل خصيب، و بلدة لها من اسمها نصيب، بحر الطعام، و ينبوع العيون المتعدّدة بتعدّد أيام العام. و معدن ما زيّن للناس حبّه من الحرث و الأنعام.
يالها من عقيلة، صفحتها صقيلة، و خريدة، محاسنها فريدة، و عشيقة (نزعاتها) [١٠٧] رشيقة، لبست حلي [١٠٨] الديباج الموشى، مفضّضة بلجين الضحى، مذهّبة بنضار العشا [١٠٩]، و سفرت عن المنظر البهي، و تبسّمت عن الشنب الشهي و تباهت بحصونها مباهاة الشجرة الشمّاء بغصونها، فوقع النفير و تسابق إلى لقائنا الجم الغفير، مثل الفرسان صفّا، و انتشر الرّجل جناحا ملتفّا [١١٠]، و اختلط الولدان بالولائد، و التمائم بالقلائد في حفل سلب النهى [١١١] و جمع البدر و السهى، و الضراغم و المها، و ألّف بين القاني و الفاقع، و سدّ بالمحاجر كوى البراقع، فلا أقسم بهذا البلد و حسن منظره الذي يشفى من الكمد لو نظر الشاعر إلى نوره المتألق لآثرها بقوله في صفة بلاد جلّق:
بلاد بها الحصباء در و تربها* * * عبير و أنفاس الرياح شمول
تسلسل منها ماؤها و هو مطلق* * * و صحّ نسيم الروض و هو عليل
رمت إلى غرض الفخر بالسهم المصيب، و أخذت من أقسام الفضل بأوفى نصيب، و كفاها بمسجد الجنّة دليلا على البركة، و بباب المسك عنوانا على الطيب يغمر من القرى موج كموج البحر. إلا أن الرياح لاعبتنا ملاعبة الصراع، و كدّرت القرى بالقراع، فلقينا من الريح ما يلقاه قلب المتيّم من التبريح، و كلّما شكت إليها المضارب شكوى الجريح، تركتها بين المائل و الطريح.
[١٠٦] بسطة و هي مدينةBasti القديمة و تعرف اليوم باسمBaza و تقع في شمال شرق غرناطه بنحو ١٢٣ ك. م و يروي صاحب الروض المعطار ص ٤٥ أن هذه المدينة كانت مشهوره بمنتجاتها الزراعية و لا سيما الزيتون، و بمنسوجاتها الحريرية و ينسب إليها الوطاء البسطي من الديباج الذي لا يعلم له نظير
[١٠٧] كذا في (ب) و في (ا) نزعتها
[١٠٨] في (ب) حلة
[١٠٩] العسي في (ا)
[١١٠] في (ا) متلفا
[١١١] في (ا) النها.