خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١٢٤ - الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
إلى أخيه كبيره [٥٣٥] و هو على سموّ قدره و علوّ ذروته، أشد الناس إيجابا لحقّه، و انخفاضا لبأوه، و تطامنا بمجلسه، يقرضه وزان الأب في إلانة القول، و انكسار الطرف تتميما لوظائف المجد، و إقامة لسوق الحرية. فأورى عند لقائنا إياه زنده، و عقّب الصلة الجزيلة عذره، و بلغ قصبات السبق فضله.
و انحدرنا من الغد إلى مدينة أغمات وريكة [٥٣٦] عن درج نزلنا لجرّاه عن الظّهر. و قدنا الدواب قودا، فجازت ناحية عن صراط بعد سياط و مياط. و اجتزنا على ديار هنتاته بذلك السفح على حدود أضدادهم الوريكيين، و قد أسهلوا و انبسطوا، و مثلت لهم الديار الحمر، تحفّ بها البساتين الخضر، تخترقها المذانب [٥٣٧] الزّرق. و أرحنا ن تلك الجهة بالمسجد البديع الحافل البنية، السامي المئذنة [٥٣٨]، المقام لصق دار موسى بن علي الهنتاتي، البادي طللها، المنبئة عن أخبارها آثارها، توسعه ما شاء من ثناء و رحمة.
ثم أتينا مدينة أغمات في بسيط سهل موطّأ لا نشز فيه ينال جميعه السّقي الرّغد، و تركبه الخلجان و قد تموّج به العشب، و عافته الأيدي و غلّت أيدي فلاحه الفتنة. و هذه المدينة قد اختطت في الفضاء الأفيح، فبلغت الغاية من رحب الساحة و انفساح القورة، مثّلت قصبتها منها قبله، و سورها محمرّ الترب، سجح الجلدة، مندمل الخندق، يخترقها واديان اثنان من ذوب الثلج و سور الجبل، قامت بضفّتيها الأرحاء واردة و صادرة، مرفوعة
[٥٣٥] يقصد عامر بن محمد الهنتاتي.
[٥٣٦] تقع مدينة أغمات في جنوب مدينة مراكش على سفح جبال مدينة أطلس. و كانت في ذلك الوقت عبارة عن مدينتين متقابلتين: أغمات عيلان، و أغمات وريكة. و كان بينهما عداء و قتال دائم. و كل فريق كان يصلي في الجامع منفردا. و قد زال هذا العداء فيما بعد كما زالت أغمات وريكة في القرن السادس عشر الميلادي. انظر:
( J. Leon Africano Descripcion de Africa p. ٣٧ ).
انظر كذلك (صفي الدين البغدادي: مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة و البقاع ج ١، ص ٩٨) انظر كذلك (البكري ٣٣٩- ٣٤٠)
[٥٣٧] أي الجداول
[٥٣٨] المأذنة في الأصل.