خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٦٩ - المجلس الأول
الريب فلا يشي. برّ فأكثر، و مهّد و وثّر، و أدفأ و دثّر، و رقّى بسور استنزاله فأثّر. فلمّا أزحت الكلفة و أقضمت جوادي العلفة، و أعجبتني من رفقاء الرفق الألفة، رمقت في بعض السقائف آمنا في زيّ خائف، و شيخا طاف منه بالأرض طائف، و سكن حتى اليمامة و الطائف، جنيب عكّاز و مثير شيب أثيث الوفرة، و قسي ضلوع تؤثّر بالزفرة، حكم له بياض الشيبة بالهيبة، و قد دار بذراعه للسبحة الرقطاء حنش، كما اختلط روم و حبش، و الى يمينه دلو فاهق، و عن يساره تلميذ مراهق، و أمامه حمار ناهق، و هو يقول:
هم أسكنونا في ظلال بيوتهم* * * ظلال بيوت أدفأت و أكنّت
أبوا أن يملّونا ولو أن أمّنا* * * تلاقي الذي يلقون منا لملّت
حتى إذا اطمأن حلوله، و أصحب ذلوله، و تردّد إلى قيّم الخان زغلوله، و استكبر لما جاءه بما يهواه رسوله، استجمع قوّته و احتشد، و رفع عقيرته و أنشد:
أشكو إلى الله ذهاب الشباب* * * كم حسرة أورثني و اكتئاب
سدّ عن اللذات باب الصبا* * * فزارت الأشجان من كل باب
و غربة طالت فما تنتهي* * * موصولة اليوم بيوم الحساب
و شرّ نفس كلّما هملجت* * * في الغي لم تقبل خطام المتاب
يا رب شفّع في شيبي و لا* * * تحرمني الزّلفى و حسن المآب
ثم أنّ، و الليل قد جنّ، فلم يبق في القوم إلا من أشفق و حنّ، و قال و قد هزّته أريحيّة، على الدنيا سلام و تحيّة، فلقد نلنا الأوطار و ركبنا الأخطار، و أبعدنا المطار و افترقنا الأقطار، و حلبنا الأشطار. فقال فتاه، و قد افترّت عن الدرّ شفتاه، مستثيرا لشجونه، و مطلعا لنجوم همّه من دجونه، و مدلا عليه بمجونه. و ماذا بلغ الشيخ من أمدها أو رفع من عمدها حتى يقضى منه عجب، أو يجلى منه محتجب؟ فأخذته حميّة الحفاظ لهذه الألفاظ، و قال أي بنيّ، مثلي من الأقطاب، يخاطب بهذا الخطاب!! و أيم الله لقد عقدت الحلق، و لبست من الدهر الجديد و الخلق، و فككت الغلق، و أبعدت في الصبوة الطلق، و خضت المنون، و صدت الضبّ و النون، و حذقت