خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٧٠ - المجلس الأول
الفنون، و قهرت بعد سليمان الجنون، و قضيت الديون، و مرضت لمرض العيون و ركبت الهمالج، و توسّدت الوذائل [٣٤٠] و الدمالج، و ركضت الفاره، و اقتحمت المهالك و المكاره، و جبت البلاد، و حضرت الجلاد و أقمت الفصح و الميلاد، فعدت من بلاد الهند و الصين بالعقل الرصين، و حذقت بدار قسطنطين كتاب اللطين [٣٤١] و دست مدارس أصحاب الرّواق و رأيت غار الأرواح و شجر الوقواق، و شريت حلل اليمن بأبخس ثمن، و حللت من عدن، حلول الروح من البدن، و نظرت إلى قرن الغزالة إذا شدن، و أزمعت عن العراقين سرى القين، و شربت من ماء الرافدين باليدين، و صلّيت بمحراب الدمنى ركعين، و تركت الأثر للعين، و وقفت حيث وقف الحكمان [٣٤٢]، و تقابل التركمان، و أخذت بالقدس، عن الحبر الندس، و ركبت الولايا إلى بلاد العلايا بعد أن طفت بالبيت الشريف، و حصلت بطيبة على الخصب و الريف في فصل الخريف، و قرأت بإخميم علم التصريف، و أسرعت في الانحطاط إلى الفسطاط و المصر الرحب الاختطاط، و سكنت مدينة الإسكندرية ثغر الرباط، و عجلت بالمرور إلى تكرور، فبعت الظل بالحرور، و وقفت بإسبانية إلى الهيكل المزور، و حصلت بأفريقية على الرفد غير المنزور، و انحدرت إلى المغرب انحدار الشمس إلى المغرب، و صمّمت تصميم الحسام الماضي المضرب، و رابطت بالأندلس ثغر الإسلام، و أعلمت بها تحت ظلال الأعلام. فآها و الله على عمر مضى و خلّف مضضا، و زمن انقضى و شمل قضى الله من تفرقة ما قضى، ثم أجهش ببكائه، و أعلن باشتكائه و أنشد:
لبسنا فلم نبل الزمان و أبلانا* * * يتابع أخرانا على الغيّ أولانا
و نغترّ بالآمال و العمر ينقضي* * * فما كان بالرجعى إلى الله أولانا
[٣٤٠] كذا في الأصل
[٣٤١] يقصد اللغة اللاتينية
[٣٤٢] الحكمان هما أبو موسى الأشعري و عمرو بن العاص، أثناء النزاع بين علي بن أبي طالب و معاوية بن أبي سفيان.