خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٧٧ - المجلس الأول
من الشجر، و القلوب أقسى من الحجر، و نفوس أهلها بيّنة الحسد و الضجر و شأنها غيبة و نميمة، و خبيث مائها على ما سوّغ الله من آلائها تميمة.
قلت فقمارش [٣٦٠]، قال مودع الوفر، و محطّ السفر، و مزاحم الفرقد و الغفر، حيث الماء المعين، و القوت المعين، لا يخامر قلب الثائر به خطرة وجله، إلا من أجله، طالما فزعت إليه نفوس الملوك الأخائر بالذخائر، و شقّت عليه أكياس المرائر في الضرائر و به الأعناب التي راق بها الجناب، و الزياتين و اللوز و التين، و الحرث الذي له التمكين، و المكان المكين، إلا أنه عدم سهله، و عظم جهله، فلا يصلح فيه إلا أهله.
قلت فالمنكّب [٣٦١]، قال مرفأ السفن و محطّها، و منزل عباد المسيح و مختطّها. بلدة معقلها منيع، و بردها صنيع، و محاسنها غير ذات تقنيع.
القصر المفتّح الطيقان، المحكم الاتقان، و المسجد المشرف المكان، و الأثر المنبئ عن كان و كان، كأنه مبرد واقف، أو عمود في يد مثاقف، قد أخذ من الدهر الأمان، تشبّه بصرح هامان، و أرهفت جوانبه بالصخر المنحوت، و كاد أن يصل ما بين الحوت و الحوت [٣٦٢] غصّت بقصب السكر أرضها، و استوعب فيها طولها و عرضها زبيبها فائق، و جنابها رائق.
و قد متّ إليها جبل الشوار [٣٦٣] بنسب الجوار، منشأ الأسطول، فوعدها
[٣٦٠] قمارش: و تسمى الآنComares و تقع بالقرب من مدينة غرناطة و كانت تعد من الحصون القوية الهامة في مملكة غرناطه
[٣٦١] المنكب: يبدو انه اسم عربي بمعنى الحصن المرتفع و يسمّى اليومAlmunecar أما الاسم القديم لهذا المكان فهوSexi و هو مرفأ ساحلي مرتفع في جنوب شرق الأندلس بمقاطعة غرناطة. و بهذا المرسى نزل الأمير عبد الرحمن بن معاوية عند دخوله الأندلس في ربيع الأول سنة ١٣٨ ه (سبتمبر ٧٥٥ م) و قد لقّب عبد الرحمن بعد ذلك بالداخل. راجع ما كتبه الإدريسي عن هذه البلدة و آثارها في كتابه (نزهة المشتاق ص ١٩٩، تشر دوزي، دي خويه ١٨٦٦) راجع كذلك (الروض المعطار ص ١٨٦)
[٣٦٢] الحوت الأول بمعنى السمك و الحوت الثانية بمعنى نجم و المعنى هنا مجازي يريد أن يصور عظم ارتفاع هذا القصر.
[٣٦٣] لعله يريد بجبل الشوار، جبل شلير و هو تحريف للاسم اللاتيني القديمSolorius أوMons Solarius أي جبل الشمس و ذلك لشدة لمعانه نتيجة لانعكاس أشعة الشمس على قممه المغطّاة بالثلوج الناصعة صيفا و شتاء. و يعرف هذا الجبل اليوم باسم سييرا نيفاداSierra Nevada أي الجبال المثلجة. انظر (الروض المعطار ص ١١٢) انظر كذلك(Simonet ,OP .cit .p ٧٤)