خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٩٩ - المجلس الثاني
الحيتان، و محط قوافل العصير و الحرير و الكتّان، و كفاها السكنى ببنيونش في فصول الزمان، و وجود المساكن النبيهة بأرخص الأثمان، و المدفن المرحوم غير المزحوم، و خزانة كتب العلوم، و الآثار المنبئة عن أصالة الحلوم. إلا أنها فاغرة أفواه الجنوب للغيث المصبوب، عرضة للرياح ذات الهبوب، عديمة الحرث فقيرة من الحبوب، ثغر تنبو فيه المضاجع بالجنوب. و ناهيك بحسنة تعد من الذنوب فأحوال أهلها دقيقة، و تكلّفهم ظاهر مهما عرضت وليمة أو عقيقة، و اقتصادهم لا تلتبس منه طريقة، و أنساب نفقاتهم في تقدير الأرزاق عريقة، فهم يمصّون البلالة مصّ المحاجم، و يجعلون الخبز في الولائم بعدد الجماجم، و فتنتهم ببلدهم فتنة الواجم بالبشير الهاجم، و راعي الجديب بالمطر الساجم، فلا يفضّلون على مدينتهم مدينة، الشك عندي في مكّة و المدينة.
قلت فطنجة [٤٥٥]، المدينة العاديّة، و البقعة التي ليست بالخبيثة و لا بالرديّة إليها بالأندلس كانت نسبة المغاربة، و الكتائب المحاربة، و الرفق السائحة في الأرض الضاربة. سورها ليس بمثلوم، و ساكنها غير ملوم، و فضلها معلوم، و دارها ليست بدار لؤم. ميدان أفراس كبير، و معدن هند و ذكير، مثلث بين المنار و القالة [٤٥٦]، و حكّماها في التفضيل فأشكل الحكم و تعذّرت المقالة، و لم يصح البيع و لا وجبت الإقالة. هذي سماء بروج، و هذي أزمار مروج، و كلاهما مركب سرور و سروج، و متمتّع فروج، و مطعم قديد و مروج. ديارها نبيهة، و أحوالها بأحوال جارتها شبيهة، لكن رملها يحشو العين بالذرور عند المرور، و يدخل الدور، و يفسد القدور و رياحها لا تسكن إلا في الندور، و ظلمة جوّها متسبّبة عمّا وراءها من مغرب الشموس و البدور. و عين برقانها، أعذب عيونها، مشهور بتوليد الهوج، قران عند
[٤٥٥] طنجةTanger مدينة قديمة معروفة بالمغرب الأقصى، و تقع على المحيط الأطلنطي و يفصلها عن أوروبا مضيق جبل طارق
[٤٥٦] قاله و بالإسبانيةLa Cala ، لها معان كثيرة مختلفة، و قد يستقيم منها هنا المعنى الخاص بميناء أو خليج. راجع(Dozy :supplement ... II p .٦٩٢) و لعل اسم دولة البرتقال (البرتغال) جاء منها: بورتو قاله أي خليج بورتو (العاصمة و قتذاك).