خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١٢٩ - الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
بفرائد التسويد، تكرّرت على المدى زيارته، و انصرفت شطر الوجهة عنايته، و استرخصت في استجلاب القصور و المعاهد هشّته، و خفت إليها على الكبر و الرّقبة حركته.
ثم جمعت بين الغرّة العتيقة و المهنّدة المحلاة و الصامت الدّثر هديته، عن خصاصة متقرره، و حال رقيقه لقصور دخله عن خرجه، و ما جرّه كف يده، و وازع عفّته، و جناه الوفاء من نكبته. أصلح اللّه حاله، و زاده من جميل نظر الملك ما يقيم أوده.
و منهم والي الوطن، و مؤمن السبل، و جمّاعة مال الجباية، الشيخ الرئيس الفقيه أبو عبد اللّه بن حسّون بن أبي العلي و قد مرّ بعض ذكره [٥٦٠]. و هو فريد العصر بل الدهر في الخلال المبرّة و الخصال الحرة، من مذكّر بالبرامكة، مغبّر في وجوه سبّاقهم انتهازا لفرص المكارم، و سالكا في هوى المآثر، ما شئت من مغل لبضائع الحمد، منتقب بورد الخجلة، مرسل أعنة الاعتذار في أعقاب ملوكي العطية، يهب الكتائب غانمات، و المهى مستردفات، و الجياد عرابا، يقوم على الأصلين و النطق، و هما الفنّان المهذّبان للعقل، المستدعيان لكثير من المواد، يعترف له بالتقدم في ذلك مشارك في غيره، حسن الصورة، مهيب جزل وقور حاسر عن الاطلاع و الكفاية. لم يبلغ عندي في البر مداه، و لا بلغ جناح شكر ندى كنداه. و لقد أقسم بالغموس بعد أن بان رزحه من وظائفه الباهظة [٥٦١]، و قعود زمنه عن أمله، و قصور وجده عن مرمى همّه أن لو ألفى سعته التي تعوّدها، لنقدني ثمن ما غصبته بالأندلس عن يد [٥٦٢]، إبلاغا في المكارمة و نزغا إلى هدف الحرية، و استرقاقا
[٥٦٠] لم يرد ذكر هذا الاسم في الصفحات السابقة من هذا الجزء، فلعل إشارة ابن الخطيب هنا تعني الجزء الأول المفقود من نفاضة الجراب. و يؤيد هذا الكلام أن المقّري أورد قصيدة موجهة من ابن الخطيب إلى هذا الوالي ابن حسّون، و لم ترد هذه القصيدة في النسخة التي لدينا راجع (المقّري: أزهار الرياض ج ١، ص ٢٨٩).
[٥٦١] رسمت في الأصل باهضة.
[٥٦٢] من المعروف أن ضياع ابن الخطيب بالأندلس و داره الرخامية بمدينة غرناطة قد صودرت و استولى عليها السلطان المغتصب إسماعيل بن يوسف بن نصر. انظر (نفاضة الجراب لوحة ٣٥) و هذه الإشارة تدل ضمنا على أن هذا الكتاب قد ألّفه ابن الخطيب بالمغرب كما سبق أن بينا.