خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٧٦ - المجلس الأول
و على ذلك فطينها يشقى به قطينها، و أزبالها تحيّى بها سبالها، و سروبها يستملّ منها مشروبها. فسحنها [٣٥٥] متغيّرة، و كواكب أذهانها النيّرة متحيّرة، و أقطارها جدّ شاسعة، و أزقّتها حرجة غير واسعة، و آبارها تفسدها أزفارها و طعامها لا يقبل الاختزان، و لا يحفظ الوزان، و فقيرها لا يفارق الأحزان، غير القسط أصواتها، و أرحيتها تطرقها النوائب، و تصيب أهدافها السهام الصوائب، و تعد لها الجنائب [٣٥٦]، و تستخدم فيها الصّبا و الجنائب [٣٥٧] و ديارها الآهلة قد صمّ بالنزائل صداها، و أضحت بلاقع بما كسبت يداها، و عين أعيانها أثر، و رسم مجادتها قد دثر، و الدهر لا يقول لعا لمن عثر، و لا ينظم شملا اذا انتثر. و كيف لا يتعلّق الذام ببلد يكثر به الجذام، محلّة بلواه آهله، و النفوس بمعرّة عدواه جاهله.
ثم تبسّم عند انشراح صدر، و ذكر قصّة الزبرقان بن بدر: [٣٥٨]
تقول هذا مجاج النحل تمدحه* * * و إن ذممت فقل قيء الزنابير
مدح و ذم و عين الشيء واحدة* * * إن البيان يري الظلماء في النور
فبليّش [٣٥٩] قال حادها المطر الصّيّب، فنعم البلد الطيّب، حلى و نحر و برّ و لوز و تين، و سبب من الأمن متين، و بلد أمين، و عقار ثمين، و فواكه عن شمال و يمين، و فلاحة مدعى انجابها لا يمين، إلا أن التشاجر بها أنمى
[٣٥٥] في نسخ أخرى كتبت: فساحاتها، فسخمها
[٣٥٦] الجنائب هنا بمعنى الدواب
[٣٥٧] الصبا و الجنائب بمعنى رياح الشمال و الجنوب
[٣٥٨] هذا الشعر كتبه سيمونيت على شكل نثر راجع(Simonet :Op .cit .p .٧)
[٣٥٩] بليش، تحريف لكلمة اللاتينيةVallis بمعنى وادي، و تسمّى الآنVelez و تقع في غرب مالقه بنحو ٣٤ ك. م و قد وصفها ابن بطوطه بقوله: و هي مدينة حسنة، بها مسجد عجيب، و فيها الأعناب و الفواكه و التين مثل مالقه (رحلة ابن بطوطة، ج ٢، ص ١٨٧). و نظرا لأن اسم بليش قد أطلق على أماكن أندلسية أخرى، فقد سمّيت هذه البلدة باسمVelez Malaga لجوارها مدينة مالقه. و سنرى في الصفحات القليلة القادمة أن ابن الخطيب يعيد ذكر بليش مرة أخرى، و هو في الواقع يقصد بلدة أخرى بهذا الاسم تعرف اليوم باسمVelez Rubio و تقع بجوار مدينة لورقه. راجع
( F. Simonet: Deacripcion del reino de Granada p. p. ٣٩, ١١١ )