خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ٧٤ - المجلس الأول
و يقضي بفضله كل ذي عقل رصين، سبب عزّه متين، و مادة قوته شعير و تين قد علم أهله مشربهم، و أمنوا مهربهم، و أسهلت بين يديه قراه، مائلة بحيث تراه، و جاد بالسمك واديه، و بالحب ثراه، و عرف شأنه بأرض النوب، و منه يظهر سهيل من كواكب الجنوب، إلا أن سواحله بلّ [٣٥١] الغارة البحرية، و مهبط السرية غير السرية، الخليقة بالحذر الحريّة، و مسرح السائمة الأميرية، و خدّامها كما علمت أولئك هم شرّ البرية.
قلت فمدينة مالقة [٣٥٢]، فقال: و ما أقول في الدرّة الوسيطة، و فردوس
- مقتولا. فبينما أنا هنالك إذ سمعت الصياح من خلفي. و كنت قد تقدمت أصحابي فعدت إليهم، فوجدت معهم قائد حصن سهيل فأعلمني أن أربعة أجفان للعدو ظهرت هنالك، و نزل بعض عمارتها إلى البر، و لم يكن الناظور بالبرج فمرّ بهم الفرسان الخارجون من مربله و كانوا اثني عشر، فقتل النصارى أحدهم و فرّ واحد و أسر العشرة و قتل معهم رجل حوات و هو الذي وجدت قفته مطروحة بالأرض. و أشار على ذلك القائد بالمبيت معه في موضعه ليوصلني منه إلى مالقه، فبتّ عنده بحصن الرابط المنسوبة إلى سهيل و الأجفان المذكورة مرساة عليه، و ركب معي بالغد فوصلنا إلى مدينة مالقه. راجع (رحلة ابن بطوطه المسمّاة تحفة النظار في غرائب الأمصار، ج ٢، ص ١٨٥)
[٣٥١] في نسخ أخرى تقرأ فل أو جل
[٣٥٢] مالقةMalaca مدينة ساحلية معروفة بجنوب شرق الأندلس أسسها الفينيقيون عام ١٢٠٠ ق. م و أعطوها اسمMalaca و معناه المملح و ذلك نسبة إلى مستودعات الأسماك المملحة التي كانت تعمل و تحفظ فيها. و اشتهرت مالقه إلى جانب ذلك بزراعة الفواكه الممتازة لا سيما التين و الرمان كما اشتهرت بصناعة الفخارCeramic أما من الناحية السياسية فكانت عاصمة الحموديين الأدراسة أيام ملوك الطوائف كما كانت تعتبر العاصمة الثانية بعد مدينة غرناطة أيام ملوك بني الأحمر. و قد كتب عنها كثير من الكتاب المسلمين و على رأسهم لسان الدين بن الخطيب كما سبق أن بينا نقتصر الآن على ما ذكره عنها ابن بطوطة باعتباره معاصرا لابن الخطيب يقول: (فوصلنا مدينة مالقه إحدى قواعد الأندلس و بلادها الحسان، جامعة بين مرافق البر و البحر كثيرة الخيرات و الفواكه. رأيت العنب يباع في أسواقها بحساب ثمانية أرطال بدرهم صغير، و رمانها المرسى الياقوتي لا نظير له في الدنيا. و أما التين و اللوز فيجلبان منها و من أحوازها إلى بلاد المشرق و المغرب ... و بمالقه يصنع الفخار المذهب العجيب، و يجب منها إلى أقاصي البلاد. و مسجدها كبير الساحة، شهير البركة، و صحنه لا نظير له في الحسن، فيه أشجار النارنج البعيدة، و لما دخلت مالقه، وجدت قاضيها أبا عبد الله ... الطنجالي قاعدا لجامع الأعظم و معه الفقهاء و وجوده الناس يجمعون مالا برسم الأسارى الذي تقدم ذكرهم، فقلت و الحمد لله الذي عافاني و لم يجعلني منهم و أخبرته بما اتفق لي بعدهم فعجب من ذلك و بعث إلى بالضيافة (رحمه الله)). انظر (رحلة ابن بطوطه ج ٢، ص ١٨٦- ١٨٧) راجع كذلك ما كتبه ابن سعيد المغربي في وصف مالقة (المقري: نفح الطيب