خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١٤٠ - الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
عزّ و جلّ يبقيه مقصودا على بعد المكان، مرجّحا في الفضل طرف الإمكان مطمئن القلب بذكر الله رطب اللسان، مدرجا في الوصول لسنام الإسلام و الإيمان و الإحسان.
و اضطبن [٦٠١] من ابن عمّه الخطيب بالبلدة، شاحبا صامتا مهمهما بذكر، منتبذا عند الأكل (١٥ و) إشعارا بالإمساك، أومأ [٦٠٢] مع ذلك، زعموا، إلى دنيا عريضة كابن عمّه و شحّ مطاع، فرحب الكل و أطرأ اللقاء.
و جئنا إلى رباط الشيخ أبي محمد و هو من المشاهد الحافلة و المآلف الجامعة.
فضاؤه رحب مرصوف بحجر الكذان يدور به، سقيف نظيف ذو أبواب تفضي إلى زوايا و مدافن، و بطوله عن يمين الوالج مسجد الصلاة و تربة الشيخ في بيت عمد سمكه لانفساح عرضه بقايم من الخشب، و قبر الشيخ قبليه عن يمين الداخل إليه، قد اتّخذ له حوض من الخشب من الرفيع أكسبته الأيام دهمه، فتخاله منحوتا من الألوة قد امّلست من الاستلام حافته، و سوي من نظيف الرمل سبخه [٦٠٣]، و بإزائه قبور شبيهة به في الشكل لولده و حفدته، تتخللها الحصر النظيفة، فقضي الغرض من القراءة و الدعاء، و حضر الفقهاء و الطلبة و الصوفية و قد استعرضهم أبو العبّاس طائفتين و رتّبهم للسلام علينا غابطا إياهم مطريا مؤنسا، فدعوا و أجملوا، و عرض علينا طعام الشيخ أبي محمد (رحمه الله)، و قرى ضيفه الجاري عليه من بيت المال لنظر حافده المذكور محكّما في قلّه و كثره، فجلب خوان بهي اشتمل قوره على كل غضارة أثيرة لا تتخلف عن طعام و لا شراب.
و انصرفنا إلى المحل المعيّن للنزول. و هذا البلد فسيح طيّب الهواء كريم التربة خصيب الجنابن و أهله أولو خيريّة و جنوح إلى الصلاح، و هو لبنة التمام للمسوّرات بالمغرب، ليس وراءها مدينة جامعة، و لا محلّة مسوّرة،
[٦٠١] يقال فلان في ضبن فلان أي في ناحيته و كنفه.
[٦٠٢] كذا في الأصل.
[٦٠٣] رسمها سحه، و لعلها سبخه أي ترابه. أو سبجه من السبج و هو الخرز الرفيع.