خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١٢١ - الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
و انحدرنا عن ذلك المرفق فأسهلنا ببطن الوادي، و أرحنا بجلسة موطأة معدّة لاستجمام السلطان (رحمه الله)، قد ظلّلتها الأشجار، تجري تحتها عين خرّارة كأعظم الأنهار فوق حصى كدرّ النحور، القريبة العهد بلجج البحور، أو كثنايا [٥٢٠] الحور. تركت في تلك الجلسة أثقاب و خروت [٥٢١] تفضي إليه، تجعل الجعائل [٥٢٢] على إمساك اليد بها برهة معتبرة، يفتضح متعاطي ذلك لخصرها [٥٢٣]، و ما يؤثر البرد الشديد في حسّ عصبها. و جلب إلى ذلك المكان من الطعام و الفاكهة و الشهد ما يحار فيه الوصف.
ثم انتقلنا إلى محل النزول، و مثوى الكرامة من المضارب، و دعينا إلى الدور حيث سكنى أولئك الأشراف، يغمرنا بكل دار منها من الأطعمة ما يحار فيه الفكر و لا تنال منه إلا العين. و تشاهد من أجناس الفرش المرفوعة و المراتب المقدرة، و الستر الديباجيّة المسدولة على الأرائك الممهدة، و السيوف المعلقة، تتخللها العدّة من أصونة مدمج [٥٢٤] القرآن و صحيح الحديث ساكنة منها في جفون [٥٢٥] منقوشة محلاة بالإبريز، مقلّدة بمحامل الحرير النسيج.
و عند الانصراف إلى المضارب، أقبلت التحف و الهدايا من المقرّبات الكاملة تختال في الحلية، و الكسا الرفيعة طيّ الأوعية الرقيمة، فعجز الشكر و بان التقصير.
ثم غمر الطعام و تخلّف الشيخ عن المجالسة و المؤاكلة معتذرا عنه بألم مانع نغص لدينا النعيم، و كدر (٦ و) الشّرب [٥٢٦] تطيرا من وداعنا إياه حلس فراش أو رهين شكاية. ثم (إنه حدسنا أنه ألم الحسباء) [٥٢٧] و تذكّرنا قول الأول:
[٥٢٠] الثنايا: أسنان مقدم الفم.
[٥٢١] الخروت: الثقوب الضيقة.
[٥٢٢] الجعائل جمع جعيلة و هي الأجر أو المكافأة.
[٥٢٣] أي لبرودتها.
[٥٢٤] أي الملفوفة أو المتقنة الكتابة.
[٥٢٥] علب من الجلد.
[٥٢٦] الشرب: الحظ و النصيب منه.
[٥٢٧] هذه العبارة التي بين القوسين غير واضحة في المخطوط، و ربما كانت قراءتها كما في المتن.