خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١٢٠ - الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
و قرأنا و أفضنا في الترحم و دعونا.
و كان الانصراف بعد أن ألممنا في تلك المحلّة بمسجد إمامهم [٥١٥] المهدي و دار سكناه، و أثر مدرسته و سجنه، كل ذلك من الخمول و اللطو و استهجان الآلة على حال شبيهة بمباني الدّبر [٥١٦]، و قرى النمل، و أعشاش الخشاش [٥١٧] من الطير. فعجبنا من مفتاح تلك الدّوبرة المهتضمة، كيف تملك من القصور العظيمة ما إنّ مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة؛ و لمنبر ذلك المسجد كيف أخذ على كونه قمئ الجلسة، مصاحبا لبعض القشر، بريا من الصنعة بأزمّة المنابر المتخذة من الألوّة [٥١٨] و الصندل المقاصري في لونيه، و الأبنوس الحبشي، و أنياب الفيول، و أرعاها بعصياه، و استاقها بين يدي طاعته كالذّود الشائل و السائمة الواردة ما بين قرطبة و اشبيليّة و غرناطة و إفريقيّة [٥١٩] و المغرب، سنّة اللّه في إدالة الدول، و تعقيب النحل، ألم تر [إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده].
[٥١٥] مهدي الموحدين أبو عبد اللّه محمد بن تومرت، مؤسس دولة الموحدين بالمغرب عام ٥١٤ ه.
قامت هذه الدولة على أكتاف قبائل المصامدة، نخص بالذكر منها قبيلة هنتاته. و توفي المهدي عام ٥٢٢ ه (١١٢٨ م). أما دولة الموحدين فقد انتهت عام ٦٦٨ ه بعد أن امتد سلطانها إلى الأندلس من سنة ٥٤٠ إلى ٦٠٩ ه تقريبا.
و كانت دعوة المهدي تقوم على أساس نفي التجسيم الذي آل إليه أهل المغرب الذين تركوا التأويل في التشابه من النصوص الشرعية و أخذوا بظواهر الأمور. و قد سمى دعوته دعوة أهل التوحيد، و أتباعه بالموحدين. و استمرت تعاليم المهدي منتشرة بين الناس حتى أواخر العصور الإسلامية بالأندلس. فيقول صاحب الحلل الموشية (ص ٨٩- ٩٠ نشر علوش) (Allouche إن ابن تومرت ألف كتابا سمّاه بالأمانة و آخر سماه بالقواعد- بهما تعاليمه الدينية و ما يجب على المسلم و ما يستحيل عليه و ما يجوز له- دوّنها بالعربي و البربري و هما موجودان بأيدي الناس إلى هذا العهد) (أي القرن الثامن الهجري). راجع ترجمة المهدي في (عبد الواحد المراكشي: المعجب ص ١١٥- ١٢٥؛ ابن خلدون: العبر ج ٦، ص ٢٢٥- ٢٢٦؛ التعريف بابن خلدون ص ٢٣٤ حاشية ١؛ ابن القاضي: جذوة الاقتباس ص ٩٧) انظر كذلك
( Pierre de Cenival: Les emirs des Hintata Rois de Marrakech- )Hesperis t. XXIV, ٧٣٩١ (.
[٥١٦] الدبر: النحل
[٥١٧] الخشاش أي الضعاف
[٥١٨] الألوة: شجر العود، يتبخر به
[٥١٩] المقصود بإفريقية في المراجع العربية، مملكة تونس أو المغرب الأدنى.