خطرة الطيف رحلات في المغرب والأندلس - محمد بن عبد الله بن خطيب - الصفحة ١١٩ - الرسالة الرابعة رحلة لسان الدين بن الخطيب في بلاد المغرب عن كتاب نفاضة الجراب في علالة الاغتراب
و تجاوزنا مهاوي مدت فيها أسراط من الخشب ترتفع عند الضرورة الفادحة، فتنقطع عمّن وراءها الآمال، إلى أن أفضينا و لم نكد إلى المحل المقصود و هي دار قوراء نبهة البنية بالنسبة إلى جنسها [٥١٠] ... ساذجة بادية ملطّخة الجدرات بالطين الأحمر، متقابلة الأشكال بيوتها، لاطية السقف غير مهذّبة الخشب، بأعلاها غرف من جنسها، يدور بداخلها برطال [٥١١] مستعل على أرجل متّخذة من اللبن، و الحجر ملبّس بالطين، و البيت حيث متوفى السلطان مفترش بالحصباء، قد ترك فيه دائرة كالقصعة تباشر الثرى، و تمكن من تربته من يقصد شفاء المرضى، و كحل العيون المرهى، إذ كان (رحمه الله) آخر ملوك العدل نشأة، لم تعرف الخبائث، و لا آثرت الملاذ مغنيا في برّ والديه مصرّفا في انتساخ الذكر الحكيم يمنى يديه، محافظا على الصلاة قيّوما عليها بالليل، كثير الصدقة و الصوم، مجالسا للعلماء، مستكشفا أحوال الرعايا، حانيا على الضعفاء، معملا في سبيل اللّه بيض الظبا [٥١٢]، صابرا على اللأواء، محتسبا في البلوى، مستشعرا شعار التقوى، ألحقه اللّه بالرفيق الأعلى. و بإزائه مصراع باب غسلت عليه جثّته الزكية، لا تتمالك العين أن تنتثر سلوك دموعها، و لا القلوب أن تأخذ الحسرة بكظمها، لما عضّ ذلك الملك الحلاحل [٥١٣] من الخطب الذي عوضه من نضرة النعيم، و وجوه الغرانقة [٥١٤] الغر، و التوكّؤ على النمارق المصفوفة، و الزرابي المبثوثة، في المتبوأ الكريم، و استثقال طلعة البدر، و استجفاء هبّة النسيم بقنن الجبال الغبر، و سكنى المحال الخشن، و مفارقة الأهل و الولد عند فراق الروح للجسد. جعلنا اللّه من الدنيا على حذر و توق، و كتبنا ممن قدر قدره و لم يأمن مكره. فقعدنا
[٥١٠] هنا ثلاث كلمات غير مقروءة تماما و رسمها الآح بحق بها
[٥١١] المقصود البرطال أو البرطل: المدخل و يقابلها في اللغة الإسبانيةEl Partal و في الإنجليزيةPortico و في الفرنسيةPortique . انظر (جمال محرز: الرسوم الجدارية الإسلامية في البرطل بالحمراء ص ١٣- ١٤)، مدريد ١٩٥١.
[٥١٢] يقصد السيوف
[٥١٣] الحلاحل أي العظيم
[٥١٤] جمع غرنيق و هو طائر مائي أبيض جميل، و يطلق كذلك على الشاب الأبيض الجميل الصورة