نهاية النهاية في شرح الكفاية - الإيرواني، الشيخ علي - الصفحة ٢٤٢ - تعارض الأدلة و الأمارات
الأصول، الّذي هو الشك، إخراجا تعبديا حكميا.
و يمكن تقريب الورود بوجه آخر لطيف، و هو: انّ الشك شكّان: شكّ في صدور الروايات، بالأعم ممّا كان حاكيا عن حكم أوّلي واقعي، و ممّا كان حاكيا عن حكم الشك، و شكّ آخر تعلّق بالحكم الواقعي، و قد أخذ موضوعا للأصول في الاخبار التي دلّت على حكم الأصول، فإذا جاء دليل «صدّق» سدّ مسدّ الشك الأول، الّذي هو الشك في الصدور. ففي عرض الحكم بصدور أدلة الأصول قد حكم بصدور سائر الاخبار، فصارت تمام الاخبار كالمسموع من الإمام دفعة واحدة. و من المعلوم: انّا لو كنّا قد سمعنا هذه الاخبار جميعا من الإمام لم نكن نرتاب في عدم الموضوع للأصل في مورد سمعنا منه حكما واقعيا، و إن كان شكّنا بالنسبة إلى الواقع باقيا، لعدم صراحة كلامه، بل كانت دلالته بالظهور أو احتمل أن لا يكون صدر لبيان الواقع، و ذلك لأنّ المراد من الشك في موضوع الأصل شك لم يكن في مورده لفظ حال عن الواقع متبع ظهوره عند العقلاء.
و بالجملة: الشك الموجود في مورد سائر الأخبار إن كان هو الشك في الصدور، و من أجله يقال: انّ هذه الموارد مشمول لأدلّة الأصول، كما هي مشمولة لدليل «صدّق»، فلا ريب انّ الشك الكذائي موجود في نفس الاخبار الدالة على حكم الأصول، فنفس صدور اخبارها يلزم أن يكون مورد متونها، و ذلك للشك في كون حكم الشك ذاك الّذي افادته لاحتمال الكذب و الخطأ في الحكاية، و ذلك باطل بالقطع. و إن كان هو الشك في الواقع من أجل كون الدلالة فيها بالظهور، أو جهة الصدور فيها محتملة ان لا تكون بيان الواقع، و من باب بناء العقلاء، قد حكم انّه لغرض بيان الواقع، فهذا لو لم يجر مثله في أدلة الأصول، لكون دلالتها بالنصوصية و جهتها قطعية، لا يوجب صدق موضوع الأصول، لوضوح انّ موضوع الأصول شك لم يكن في مورده بيان للواقع، و لو بالألفاظ و الظواهر.
نعم، فيما إذا كانت أدلة الأصول قطعي السند، و لم يكن اعتبارها بدليل «صدّق» لم يجر ما ذكرناه من التقرير.