مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٩٩
مخالفة الهيئة و طلبها على أنه لو لم يكن من الواجبات الإرشادية أيضا لم يستحق العقاب لأن أجزاء الواجب بمنزلة المقدمات لا يستلزم تركها عقابا في نفسه كما مر ثم إن محل الكلام إنما هو في العزم و التصميم و أما الخطرات العقلية القلبية التي لا ينفك عنها الإنسان في الأغلب فقد ادعي الضرورة في عدم كونها معصية لكونها تكليفا بما لا يطاق عصمنا اللَّه و إخواننا من المعاصي هداية إذا قارن القصد بفعل بعض مقدمات الحرام فإن لم يحتمل وجود عنوان آخر غير عنوان المقدمية فيه لم يعقل العقاب و إن احتمل وجوده و لو بملاحظة استكشافه من الأخبار فلا بأس به مثل الأخبار الدالة على تحريم القصد المقارن لفعل بعض المقدمات مثل الأخبار الدالة على حرمة الغرس للخمر و المشي للسعاية و ما دل على حرمة المعاونة على الإثم كقوله من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة أكبّه اللَّه على منخره في النار فيما لو قلنا بشمول عنوان الإعانة لإيجاد مقدمات فعل النفس كما لعله يظهر من الشيخ الأجل كاشف الغطاء و يحتمل أن يكون استناده بواسطة الفحوى أو تنقيح المناط و لكن الإنصاف أن الأخبار ظاهرة في أن عنوان الحرام ليس أمرا خارجا عن عنوان المقدمية التي قد مر أنها لا يعقل استتباعها الذم و العقاب و أما الاستناد إلى بناء العقلاء فقد ظهر ما فيه فيما تقدم من أن غاية الأمر أن العقلاء يذمونه و يعيرونه بواسطة خبث الباطن و فساد السريرة نعم فيما استقل العقل أو الشرع ثبوت عنوان آخر كما لا يبعد دعواه في مثل رواية الإعانة على القتل بشطر كلمة فإنه يعدّ في العقل ظلما على المقتول لا بأس بالعقاب و لا ينافيه ثبوت المبغوضية الغيريّة لاضمحلالها تحت المبغوضية الذاتية كما تقرر فيما تقدم و ستعرفه في بعض المباحث الآتية و اللَّه الهادي هداية إذا تلبس بما يراه معصية و لم يكن كما يراه في الواقع و هو المراد بالتجري فهل فعل فعلا محرّما أو لم يفعل أو فيما إذا لم يعارض الجهة الواقعية الجهة الظاهرية أو التوقف وجوه بل أقوال فظاهر كلماتهم في بعض المقامات الاتفاق على الأول كما يظهر من دعوى جماعة الإجماع على أن ظان ضيق الوقت إذا أخر الصّلاة عصى و إن انكشف بقاء الوقت و استوجه العلامة في التذكرة عدم العصيان لو انكشف الخلاف فقال لو ظن ضيق الوقت عصى لو أخر إن استمر الظن و إن انكشف خلافه توجه عدم العصيان و تبعه في ذلك بعض أجلة سادات الأواخر في مفاتيحه حيث استقرب العدم و قال بعض الأجلة بالتحريم عند عدم معارضة الجهة الواقعية للجهة الظاهرية و بعدمه عند عدمها كما ستعرف تفصيله و توقف جماعة منهم شيخنا البهائي في ذلك و استدل للأول باستقرار بناء العقلاء على الذم و الحكم بالاستحقاق و بأنا لو فرضنا شخصين قاطعين بأن قطع أحدهما بكون مائع معين خمرا و قطع الآخر بكون مائع آخر خمرا فشرب كل منهما ما اعتقده خمرا فاتفق مصادفة أحدهما للواقع و مخالفة الآخر فإما أن يستحقا العقاب أو لا يستحق كل واحد منهما أو يستحق المصادف دون غيره أو العكس و الرابع بديهي البطلان كالثاني و الثالث أيضا باطل لاستلزامه إناطة استحقاق العقاب بما هو خارج عن الاختيار و هو مناف لما يقتضيه العدل فتعين الأول و هو المطلوب أمّا الجواب عن الأول فبأنه إن أريد الذم على نفس الفعل المنتزع عنه عنوان التجري فالضرورة تقضي بعدم جواز الذم عليه أما أولا فلأن شرب الماء واقعا مما لا قبح فيه بحسب الواقع كما هو المفروض اللّهم إلاّ أن يكون مورد التجري فعلا من الأفعال القبيحة كما إذا اعتقد شرب النبيذ شرب الخمر مثلا و أما ثانيا فلأنه واقع على غير جهة الاختيار أو هو غير مقصود للفاعل المعتقد كونه شرب خمر ف لا يقع على وجه الاختيار فلا وجه للذم عليه اتفاقا من غير فرق بين أن يكون المورد مباحا واقعا أو حراما و إن أريد الذم على عنوان التجري و الإقدام بما يعتقده معصية ففيه أن التجري له موردان أحدهما مورد العصيان الواقعي المفروض انتفاؤه في المقام و ثانيهما مورد تخيل العصيان الواقعي كما هو المفروض في المقام و من المعلوم أنه بهذا الوجه غير واقع على جهة الاختيار أو المتجري يعتقد أنه العصيان لا أنه تخيّل العصيان فهو غير مقصود فلا يجوز الذم عليه اتفاقا و إن أريد الذم على الفاعل من حيث إن هذا الفعل يكشف عن وجوده ملكة نفسانية رذيلة و حالة طبيعية خبيثة فإن أريد بالذم العقاب فهو موقوف على أن عقاب هذا العبد الذي لم يفعل قبيحا ينافي العدل أو لا و إن أريد به توبيخه و تعييره بإظهار ما فيه من الشقاوة و الرذالة فهو لا يبعد تسليمه لكنه لا يجدي في كون الفعل محرما شرعا لأن استحقاق الذم على ما كشف عنه الفعل لا يوجب استحقاقه على نفس الفعل و لا سيما الذم على الوجه المذكور إذ من المعلوم أن الحكم العقلي باستحقاق الذم أنما يلازم استحقاق العقاب شرعا إذا تعلق بالفعل لا بالفاعل و أما الجواب عن الثاني فهو على ما أفاده الأستاذ في الرسالة أنه يلتزم باستحقاق من صادف قطعه الواقع لأنه عصى اختيارا دون من لم يصادف قولك إن التفاوت بالاستحقاق و العدم لا يحسن أن يناط بما هو خارج عن الاختيار ممنوع فإن العقاب بما لا يرجع بالأخرة إلى الاختيار قبيح إلا أن عدم العقاب لأمر لا يرجع إلى الاختيار قبحه غير معلوم كما يشهد به الأخبار الواردة في أن من سنّ سنّة حسنة كان له مثل أجر من عمل بها و من سنّ سنة سيئة كان له مثل وزر من عمل بها فإذا فرضنا أن شخصين سنّا سنة حسنة أو سيئة و اتفق كثرة العامل بإحداهما و قلة العامل بالأخرى فإن مقتضى الروايات كون ثواب الأول أو عقابه أعظم و قد اشتهر أن للمصيب أجرين و للمخطي أجر واحد و الأخبار في مثل ذلك في طرفي الثواب و العقاب بحد التواتر انتهى ما أفاد و فيه أن ما ذكره في سند المنع غير وجيه فإن مدخلية بعض الأمور الغير الاختيارية في العقاب و الثواب مما لا بد منها و إلاّ لم يعقل الاستشهاد بالأخبار المذكورة فإن كثرة العامل و قلته على ما فرضه مما لها مدخل في العقاب و الثواب و هما من الأمور الغير الاختيارية بالنسبة إلى من سن السنّة الحسنة أو السيّئة و إن كان لنا كلام في كون العقاب و الثواب في مورد الأخبار