مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٣١
حيث فسر الحسن بجزاء الخير و القبح بجزاء الشر لكن إذا أضيف إلى اللّه تعالى يكون الأول ثوابا إذ جزاء الخير منه لا يكون إلا الثواب و الثاني عقابا فلو لا أن النزاع في المقامين مما يرجع إلى نزاع واحد لم يصح ذلك كما لا يخفى على المتدبر و منها ما ذكره العميدي في شرح التهذيب من أن الحسن هو الفعل الذي لم يكن على صفة تؤثر في استحقاق الذم و القبح ما كان على صفة تؤثر في استحقاق الذم و فسر الذم بأنه قول أو فعل أو ترك قول أو فعل ينبئ عن اتضاع حال الغير و مثل للأول بالشتم من الرئيس لذي المروءة و للثاني بالضرب منه له و للثالث بتركه ردّ السّلام و للرابع بترك القيام له مع أهليته لذلك و لا شك أن اعتبار الذم في الحسن و القبح وجودا و عدما ثم تفسيره بما عرفت أصرح دليل على الاكتفاء عن الثاني بالأول إذ ليس الذم بهذا المعنى إلا العقاب و منها ما أفاده جمال المحققين في تعليقاته على العضدي من نسبة الحسن و القبح بالمعنى المذكور إلى المعتزلة و في مورد آخر ادعي الإجماع من الإمامية على القول بالحسن و القبح بالمعنى المذكور و منها ما عن الكاظمي في شرح الزبدة من تفسيره للحسن و القبح بما ذكرناه و منها ما ذكره جملة من أساطين العلماء كالمحقق و الشهيد و أضرابهما من تقسيم حكم العقل إلى ما يتوقف على خطاب شرعي و ما لا يتوقف و مثلوا بالتحسين و التقبيح العقليين كحرمة الظلم و وجوب ردّ الوديعة و أما كلمات مخالفينا فعن المواقف تفسير الحسن في محل النزاع باستحقاق المدح في العاجل و الثواب في الأجل و القبح باستحقاق الذم و العقاب كذلك و عن القوشجي تفسير الحسن و القبح أيضا بما سمعت كما عن الباغنوي أيضا مثل ما مر و قال الأسنوي في شرح المنهاج اعلم أن الحسن و القبح قد يراد بهما ملائمة الطبع و منافرته و قد يراد صفة الكمال و صفة النقص و لا نزاع فيهما و إنما النزاع بمعنى ترتب الثواب و العقاب فعندنا أنهما شرعيان و ذهب المعتزلة إلى أنهما عقليان بمعنى أن العقل له صلاحية الكشف عنهما و أنه لا يفتقر الوقوف على حكم اللّه لاعتقادهم وجوب مراعاة المصالح و المفاسد و إنما الشرائع مؤكدة انتهى و صراحة ذلك في المقصود مما لا ينبغي أن ينكر فظهر من جميع ما مر أن المراد بالحسن و القبح الواقعين في عنوان النزاع المراد به ما به يستحق الفاعل المدح في العاجل و الثواب في الآجل فإثبات أن العقل يحكم بالحسن و القبح في قوة إثبات أن العقل يدرك حكم اللّه كما هو المراد بالملازمة و يكفيك شاهدا في المقام قولهم إن الظلم حرام و ردّ الوديعة واجب حيث لا يعنون بالوجوب إلا الطلب الملازم للعقاب عند المخالفة نعم لو كان المراد من الحسن و القبح هو مجرد المدح و الذم دون الثواب و العقاب كان لتغاير العنوانين وجه هذا تمام الكلام في عناوين القوم و أما أدلة الطرفين الواردة على النفي و الإثبات فتقضي باتحاد العنوانين و كفاية إثبات الحسن العقلي عن الملازمة فأدلة المثبتين من لزوم إفحام الأنبياء و عدم وجوب معرفة اللّه لولاه تقتضي بما ذكرناه لأن مجرد إدراك استحقاق الذم و المدح لا يلزم منه الوجوب و لا يندفع منه إفحام الأنبياء ما لم يلاحظ مع ذلك العقاب و لو احتمالا و أما أدلة النافين كآية التعذيب فدلالتها على أن المراد بالحسن و القبح ما يلازم الثواب و العقاب صريحة و إلا فنفي التعذيب لا مساس له في نفي الذم و المدح و كذا في جواب القائلين بالتحسين عنهم بأن المنفي هو فعلية العذاب دون استحقاقه إيماء إلى المطلب المزبور من حيث عدم تعرضهم لعدم مدخلية الحسن و القبح للعذاب فنفيه لا يدل على عدم الحسن كما لا يخفى و أما ثمرات المسألة على ما فرع عليه العضدي و أضرابه من عدم وجوب شكر المنعم فلا عقاب و لا إثم في تركه على من لم يبلغه دعوة النبوة فما لا تصح إلاّ على الدعوى المذكورة و بالجملة فنحن لا نقول بأن المقامين متحدان لا تغاير بينهما بوجه لا يمكن النزاع في أحدهما مع تسليم الآخر و لكنا نلتزم بأن النزاع الواقع بين العدلية و الأشعرية مما يغني عن هذا النزاع في المقام الثاني فكأن بعد تسليم صغرى الإدراك من العقل و أهليته فلا نزاع في كونه سبيلا إلى الحكم الشرعي على وجه لا ريب فيه كما استظهرنا ذلك من الوجوه المذكورة في عناوين القوم و أدلتهم و ثمرات المسألة على ما هو الشأن في استكشاف أمثال المقاصد و سيأتي ما يوضح ذلك عند الاستدلال على المقصود و توضيح البحث و تنقيحه يقتضي بسطا في المقام فنقول إن هنا نزاعين أحدهما أن العقل هل يدرك حسن شيء أو قبحه أم لا يدرك فأثبته الإمامية و من تابعهم من المعتزلة و أنكره الأشاعرة و حيث إن الكلام في المقام ليس من الكلام في مباحث الفن لعدم كون المسألة أصولية بل إنما هو من المبادئ الأحكامية فقد طوينا الكشح عن ذكرها مضافا إلى بداهة المقصود حتى إن إكثار الكلام فيها ربما يعد من العبث حيث إنه لا يفيدنا غير ما هو المعلوم لنا منها بسلامة الوجدان مع أنّ لنا فيه غنى عن تجشم البرهان إلا أنه لا بد أن يعلم أن الحسن و القبح الواقعين في العنوان قد اختلف في تفسيرهما فعن بعضهم كالفاضل التوني و الفاضل الزركشي تفسيرهما بمجرد المدح و الذم دون الثواب و العقاب قال الأول في محكي الوافية الحق ثبوت الحسن و القبح العقليين في الجملة لقضاء الضرورة و لكن في إثبات الحكم الشرعي كالوجوب و الحرمة الشرعيين بها نظر ثم فرق بين الوجوب العقلي و الشرعي باستحقاق الذم على الأول و الثواب على الثاني ثم قال بعد ذكر أمور من وجوه النظر فإن قلت الواجب العقلي هو ما يكون تاركه مذموما عند كل عاقل حكيم و الحرام العقلي ما يكون فاعله مذموما كذلك فالحرام العقلي لا بد و أن يكون ممقوتا للّه و ليس الحرام الشرعي إلا ذلك لأن فاعل فعل ممقوت عنده مستحق لعقابه ضرورة قلت الحرام الشرعي ما يجوز للمكلف العقاب عليه و لا يكفي مجرد الاستحقاق و إن علم انتفاؤه بسبب ما كان من إخباره