مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٣٥
زائدة على حسنه و تحقيق المقام إنما هو بعد بسط في الكلام فنقول إن التكليف بشيء يقع على وجوه الأول أن يكون الفعل المأمور به مشتملا على مصلحة توجب الأمر به أو يشتمل على مفسدة مقتضية للنهي عنه بحيث لو نهى عن الأول لو لم يأمر به أو أمر بالثاني أو لم ينه عنه لكان قبيحا على ما عرفت مرارا و هذا هو القسم الشائع عندنا معاشر العدلية الثاني أن يكون المصلحة في نفس صدور الأمر من غير أن يكون الفعل ذا مصلحة توجد بل قد يكون الفعل مبغوضا للأمر لكن المصلحة المقتضية لصدور الأمر دعته إلى الأمر به كالأوامر الواردة في مقام التقية من غير أن يكون في نفس العمل تقية و لا شك أن هذا القسم من الأمر لا يورث إيجابا بالنسبة إلى الفعل و لا شيئا آخر و إنما هو فعل قد ألجأت إليه الضرورة فوقع من غير أن يكون منوطا بحسن في متعلقه و إنما الحسن في نفسه على النهج السائر في الأفعال الاختيارية التي يكفي في صدورها عن الفاعل وجود الداعي إليه بخصوصه و لو كان هو حفظ النفس عن مكائد الأعادي بل هو من أعظم الدواعي الثالث أن يكون المصلحة في الفعل لكنه بعد ما تعلق الأمر به فتارة من حيث إن الفعل محصّل للامتثال بالنسبة إلى أمر المولى و أخرى من حيث إن الفعل بعد ما تعلق الأمر به ظاهرا إنما اشتمل على عنوان حسن كان الأمر به طريقا إلى تحصيل ذلك العنوان الحسن الذي هو المقصود بالأمر واقعا و إن تعلق بغيره ظاهرا فالمأمور به بالأمر اللفظي شيء و المقصود من الأمر الذي حسنه اقتضى صدور الأمر من الآمر شيء آخر إلا أن تعلق الأمر به حيث لم يكن ممكنا لأدائه إلى مفسدة ابتداء تعلق الأمر بغيره على وجه يحصل بواسطة تعلق الأمر به ذلك العنوان الحسن فيصير مأمورا به بأمر آخر مثلا إذا كان في إظهار الإطاعة للمولى حسن أو مصلحة دعت إلى طلبه من العبد فلا يصح الأمر بإظهار الإطاعة ابتداء من غير سبق تكليف لأن الإطاعة ترجع في محصّل المعنى إلى الامتثال بأوامر المولى و الإتيان بما تعلق به الأمر و المفروض انتفاء موضوعه في المقام فلا بد في ذلك من الأمر بشيء آخر مثل الأمر بقطع يده مثلا أو قتل ولده لتحصيل موضوع ما هو مطلوب واقعا من إظهار الإطاعة و إن لم يكن قطع اليد محبوبا له بل إنما يكون مبغوضا فكان الأمر اللفظي في المقام جزء لموضوع ما هو المقصود حقيقة و بعد تحصيل ذلك الموضوع يحكم العقل بالأمر العقلي بالإطاعة المطلوبة للمولى حقيقة فالأمر اللفظي لا يورث وجوبا في متعلقه واقعا و إن تخيله المأمور من حيث جهله بالواقع و كشف اللفظ عن الوجوب ظاهرا و لا يتبع حسنا بل هو مستتبع لموضوع حسن تعلق الأمر الحقيقي به و إذا عرفت ذلك فاعلم أن القسم الأول مما لا كلام فيه و القسم الثاني مما لا دخل له في المقام فإنه أمر صوري لفظي صرف و تخيل بحت و أما القسم الثالث فبالنسبة إلى المتعلق لفظا بقطع اليد أو ذبح الولد فلا شك في كونه صوريا بحتا لا يورث وجوبا في الواقع و إن تخيله المكلف بواسطة عدم اطلاعه و جهله بالواقع و بالنسبة إلى المطلوب واقعا فهو كالقسم الأول من حيث إن حسن الفعل دعا إلى الأمر به و الأوامر الابتلائية يحتمل أن تكون من هذا القبيل و لا ينافيه ما اشتهر في الألسنة من أن التكاليف الابتلائية لا بد و أن يكون الفعل فيها غير مطلوب إذ بعد تسليمه فإنما هو فيما تعلق الأمر اللفظي به و تخيله المكلف مأمورا به و لا دليل على أن ذلك الأمر لا يصح أن يجعل طريقا إلى الوصول إلى ما هو المطلوب حقيقة كما أنه لا ينافيه مبغوضية ما تعلق الأمر به ظاهرا نظرا إلى أن المطلوب الحقيقي هو إظهار الإطاعة و الانقياد و من جملة ما يحصل به هذا المفهوم هو قطع اليد أو قتل الولد و المفروض كونه مبغوضا للمولى و الوجه في ذلك هو أنه كما يحصل بالقتل ذلك المفهوم فكذلك يحصل بإيقاعه في معرض القتل أو القطع كما هو ظاهر و من ذلك كله ظهر أن ما زعمه المحقق القمي تبعا لبعضهم من أن الأمر في أمثال المقام مجاز عن المقدمات مما لا وجه له و الحاصل أن الأوامر الابتلائية لا ترد نقضا على الملازمة بعد احتمال ما ذكرناه فكيف بأن الظاهر من مساق كلماتهم هو ذلك الاحتمال ما قلنا فتأمل جيّدا تهدى إلى الحق الثاني التكاليف التي ترد مورد التقية إذا لم يكن في نفس الجهل تقية فإن إمكانها بل وقوعها في الأخبار المأثورة عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام لا يكاد يعتريه شوب الإنكار و إن منعنا وقوعه في حقه تعالى بل و في حق النبي صلى اللَّه عليه و آله أيضا فإن تلك التكاليف متصفة بالحسن و الرجحان لما فيها من صون المكلف و المكلف عن شرور المخالفين و إن تجرد المكلف به عن الحسن الابتدائي و طريان الحسن بعد التكليف من جهة الامتثال مما لا يجدي إذ الكلام في الجهات المتفرع عليها التكاليف لا في الجهات المتفرعة عليها هذا و الجواب عنه أما أولا فبالنقض بما لو حكم العقل بوجوب شيء أو حرمته فإنه يحسن التكليف اتقاء من شرور الأعادي و صونا عن مكائدهم على خلاف حكم العقل من تحريم الواجب و إيجاب الحرام مع أنه لا يلتزم بجوازه و لا يحكم بالانفكاك بين الحكمين فيه قال في ذيل المبحث و إذا ثبت عندك مما حققناه انتفاء الملازمة الكلية فاعلم أن ذلك يتصور إما بالأمر بالحرام العقلي و لو ندبا أو النهي عن الواجب العقلي و لو تنزيها و عدّ الأقسام المتصورة في المقام من الأمر بالمباح أو تحريمه أو إباحة الواجب و نحوه إلى أن قال أما القسمان الأولان فلا ريب في امتناعهما بالقياس إلى الحكم الواقعي مع أن مقتضى ما ذكره من الدليل هو جواز مثل ذلك أيضا فما هو الجواب عنه هو الجواب عن غيره أيضا و الحق أن النقص المذكور مما لا يختص وروده بهذا الدليل خاصة بل يجري في أكثر الوجوه التي استند إليها كما لا يخفى و أما ثانيا فبالحل بأن نقول إن تلك التكاليف لا بد و أن تحمل على أحد الوجهين إما على التورية باعتبار إرادة معنى غير ظاهر منها على إطلاقها كأن يقال فيما لو أمر بالمسح على الخفين إنه يجب عند الخوف على النفس و الفعل فيه يشتمل على الحسن قطعا