مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١٣٩
و الماهية الذهنية تختلف باعتبار الملاحظات قلت إن أريد من اختلاف الملاحظة اختلاف وجوه الماهية و عناوينها كأن يكون الماهية المطلوبة وجوبا في الذهن مغايرة للماهية المطلوبة استحبابا مع تلازمهما في الخارج لئلا يخرج الكلام عما فرضناه من اجتماع الوجوب العيني و الاستحباب العيني في شيء واحد فهو سديد إلا أن هناك أمرين أحدهما ما يتعلق به الطلب و يكون متصورا للطالب و هو فيما نحن بصدده العنوانان المختلفان في في الذهن و ثانيهما ما به يسقط ذلك الطلب المتعلق بالماهية فإنه أيضا لا بد و أن يكون منشأ لانتزاع وصف المطلوبية و إلا لما يعقل وجه لسقوط الطلب و لا إشكال في أن ما به يسقط الطلب لا بد و أن يكون من الموجودات الخارجية التي ينتزع منها المطلوبية و اختلاف الفعل في الذهن إنما يجدي في عدم لزوم اجتماع المثلين في الماهية المتصورة للطالب و أما ما يسقط الطلب هو الذي ينتزع منه المطلوبية فلا اختلاف فيه و يلزم فيه اجتماع المثلين و بما ذكرنا يظهر أن ذلك كاف في إبطال الاجتماع و إن لم يلاحظ حال الطالب حتى يقال إنا لا نعقل كيفية الطلب الصادر من اللَّه كما لا يخفى و إن أريد باختلاف الملاحظة أن ماهية واحدة من دون اختلاف وجوهها تارة يعقل و يتعلق بها الطلب الوجوبي و تارة أخرى يتصور و يتعلق بها الندبي و لا إشكال في اختلاف الملاحظتين فهو فاسد جدّا إذ اختلاف الملاحظتين مرجعه إلى تغاير المتصورين و الطلب إنما يحتاج إلى اختلاف المتصورين و تعدد التصور لا يجدي في تعدد المتصور و هو ظاهر و أما على القول بمغايرة الإرادة و العلم كأن يكون الإرادة كيفية أخرى غير العلم فما ذكرنا لازم أيضا كما لا يخفى على المتأمل كما أنه لازم على القول بتغاير الإرادة و الطلب أيضا فإن ما ذكرنا لا يختلف باختلاف المذاهب في ذلك كما هو ظاهر نعم هنا شيء ينبغي أن يعلم و هو أن الظاهر أن اختلاف الطلب الوجوبي مع الاستحبابي عند عدم رجوع الطلب إلى الإرادة و عدم رجوعها إلى العلم يكون من قبيل اختلاف العلم و الظن حيث إن اختلافهما ليس بواسطة المعلوم و المظنون بل باختلاف نفس العلم و الظن كما هو ظاهر فتدبر هذا مع قطع النظر عن الخصوصية المائزة للاستحباب عن الوجوب و أما بملاحظتها فيلزم من اجتماع الطلب الوجوبي مع الندبي في فعل واحد على وجه التعيين سواء قيل بتعلق الأحكام للطبائع أو الأفراد اجتماع الضدين ضرورة أن الأحكام الخمسة بأسرها متضادة و إلا لم يفترق أحدها عن الآخر كما هو المقرر في محله من أن الفصول اللاحقة للجنس لا بد و أن تكون متضادة حتى يحصل بلحوق بعضها إليه نوع محصل ممتاز عن سائر الأنواع و هو ظاهر و بعد ما عرفت من اتحاد منشأ انتزاع الطلبين فيما يسقط منه الطلب فالملازمة ظاهرة لا حاجة إلى بيانها فإن قلت فما توجيه موارد اجتماع الوجوب العيني و الاستحباب العيني مثل الوضوء الواجب لغاية واجبة و المندوب لغاية مندوبة أو مع قطع النظر عن الغاية أيضا لاستحبابه في نفسه إذ لا فرق فيما ذكر بين أن يكون الوجوب و الندب نفسيين أو غيريين أو مختلفين لاتحاد المناط في الكل قلت قد استوفينا الكلام في توجيه ذلك في بحث المقدمة و حاصله ما نبه عليه المحقق القمي رحمه الله من عدم اتحاد زماني الوجوب و الندب فإن قيل وجوب الغاية يكون مندوبا نفسيّا أو غيريا عند استحباب الغاية و لا محذور من اجتماع الندبين فيه لما ستعرفه في الوجوبين و بعد وجوبها لم يبق الطلب الندبي بوجه فيكون واجبا محضا من غير شائبة الندبية و بالجملة فنحن نحكم بعدم اجتماع الطلبين في مورد واحد لاستلزامه أما اجتماع المثلين أو الضدين و التالي من المستحيلات الأولية و الملازمة ظاهرة مما مر و مما ذكرنا يظهر حال اجتماع الوجوبين مثل ما لو أمر الوالد بشيء مع تعلق أمر الوالدة به أيضا فإن ذلك الفعل من حيث كونه منشأ لحصول إطاعة الوالد واجب و من حيث إنه يصير موردا لامتثال الوالدة أيضا واجب لكنه لا يتصف ذلك الفعل بوجوبين و لا يصير منشأ لانتزاع المطلوبية مرتين بل التحقيق في ذلك هو تأكد الطلب الناشئ من حصول الجهتين كما يظهر بالرجوع إلى الوجدان عند تعدد جهات الطلب في مطلوب واحد من غير فرق بين وجودها فيه دفعة و بين حصولها متدرجة في الوجود و بين العلم بها دفعة و بين الجهل ببعضها فإن ذلك لا مدخلية له فيما نحن بصدده و لا وجه للقول ببقاء أحدهما عند اللَّه و ارتفاع الآخر فإنه غير آئل إلى حاصل فمقتضى وجود العنوانين اللذين تعلق بكل واحد منهما طلب حتمي تأكد الطلب في الفرد الجامع لهما و زيادة الثواب فإن قلت قضية كل واحد من العنوانين اجتماع الحكمين فعلا و بعد حكم العقل بامتناع ذلك يحصل التعارض بينهما لاقتضاء كل منهما انتساب الأثر إليه و حيث إنه لا مرجح بينهما فيتساقطان فلا يثبت وجوب فضلا عن تأكده قلت إن بعد تسليم اختلاف مراتب الطلب شدة و ضعفا لا وجه لما ذكر أصلا فإن كل واحد من العنوانين على وجه الاستقلال يقتضي مرتبة خاصة من الطلب و اجتماعهما معا يقتضي مرتبة أشد من المرتبة التي كان كل واحد منهما مقتضيا لها فلا تعارض بينهما حتى يقال بالتساقط مع أنه يمكن أن يقال إن كل واحد من العنوانين يقتضي وجود الرجحان و المطلوبية فلا تعارض بينهما و إنما التعارض في استناد الأثر إليهما على وجه الاستقلال و بعد التعارض يحكم بتساقط الاستناد إليهما استقلالا دون أصل الوجود فيكون المقام نظير ما لو عقد كل واحد من الأب و الجد على البنت لشخص واحد دون ما لو عقد عليها كل واحد منهما لغير ما عقد له الآخر فتأمل و بالجملة فلا محذور في القول بتأكد الطلب المطلوب سواء قلنا بوجود المصالح و المفاسد في المكلف به كما هو مذاق التحقيق أو لم نقل به كما زعمه الأشعري أما على الأول فلأن الوجه في ارتفاع الطلبين هو استحالة وجودهما في محل واحد و ذلك لا يقتضي بارتفاع المصلحة و المفسدة فإن التخصيص عقلي فيقطع ببقاء الجهة سيما على ما قررنا من اقتضائهما مرتبة خاصة من الطلب و أما على الثاني