مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٧٣
بالتقليد فلا يعقل لرجوعه إلى غير الأعلم على وجه التقليد وجه لأن استعلام حال هذه الواقعة من غير الأعلم لعله غير مفيد إذ لم يثبت جوازه بعد فإن كان ذلك منه على سبيل عدم المبالاة بأحكام الشريعة فالعياذ باللّه و إن كان الاعتماد في الاستعلام المذكور هو قول غير الأعلم فهو دور فالمقلد إذا كان ملتفتا لا بد له من الرجوع إلى الأعلم نعم المجتهد إنما يجوز له الإفتاء بما ظنه من الأدلة الشرعية جوازا و منعا فالكلام في المقام إنما هو فيما يظهر من الأدلة الشرعية للناظر فيها فالمجتهد لو بنى على الجواز يفتي به لو راجعه المقلد كما أنه يفتي بعدمه فيما لو بنى على عدمه الثاني في تأسيس الأصل في المسألة فنقول إن الظاهر من كل من تعرض للمسألة و وصل كلامه إلينا أن الأصل مع المانعين و تقريره أنه لا شك أن العمل بقول الغير و مطابقة العمل بقوله و هو المعبر عندهم بالتقليد عمل بما وراء العلم سواء كان اعتباره بواسطة حصول الظن كما يراه البعض أو بواسطة التعبد كما هو الظاهر على ما ستعرف الكلام فيه إجمالا و ذلك ظاهر و الأصل المستفاد من الأدلة القطعية كتابا و سنة و إجماعا و عقلا على ما مر تفصيل القول فيه في محله هو حرمة العمل بغير العلم خرج منه متابعة الفاضل بالاتفاق من المجوزين و المانعين فإنه هو المجمع عليه فيبقى متابعة المفضول في عموم حرمة العمل بما وراء العلم و لم نقف من لا يذعن بهذا الأصل سوى المحقق القمي رحمه الله حيث إنه أفاد في بعض إفاداته بأنه لا أصل لهذا الأصل و اشتغال الذمة لم يثبت إلا بالقدر المشترك المتحقق في ضمن الأدون أيضا و الأصل عدم لزوم الزيادة و هذا الكلام منه رحمه الله ليس في محله و لذلك ترى المجوزين مطبقين على أن ذلك إنما هو بواسطة الدليل الوارد على هذا الأصل من استصحاب أو إطلاق و نحوهما فإن أراد بذلك منع قيام الدليل على حرمة العمل بالظن فلا بد له من الرجوع إلى الكتاب و السنة و كلمات العلماء فإن ذلك هو الحاكم بين مدعي وجود الدليل و بين المنكر و إن أراد أن انسداد باب العلم إنما اقتضى جواز العمل بالظن فذلك يوجب الإغناء عن البحث في المسألة لدوران الأمر مدار الظن فربما يحصل من الأعلم و ربما يحصل من غيره مع أن المعلوم فيما سبق عدم استقامة الكلام المذكور بواسطة عدم جريان مقدمات الانسداد في حق المقلد لقيام الضرورة الدينية على وجوب رجوع العامي إلى المجتهد و علمه بذلك ليس ما خفي من علمه بوجوب متابعة أحكام الشريعة و لو على الإجمال فإن قلت إن مرجع الأصل المذكور إلى ملاحظة الاحتياط في هذه المسألة التي هي بمنزلة المسائل الأصولية من حيث ترتب المسائل الفرعية عليها و قد يعارض ذلك بالاحتياط في المسألة الفرعية كما إذا كان فتوى الأدون موافقا للاحتياط و الاحتياط في المسألة الفرعية مقدم على الاحتياط فيما هو بمنزلة المدرك لها قلت إن بعد إعمال الاحتياط في المبنى لا يبقى الشك في المسألة الفرعية شرعا مثل استصحاب المزيل حين يحكم بتقديمه على المزال فتدبر و قد يدعى أن الأصل هو الجواز من وجوه الأول أن أصالة حرمة العمل بما وراء العلم قد انقطع بما دل على مشروعية التقليد في الجملة و لا ريب أنه إذا كان المجتهدان متساويان في العلم كان كل منهما حجة و كان المكلف مخيرا بينهما و يستصحب التخيير الثابت عند حدوث الشك في زواله بواسطة حصول الترقي لأحدهما فيتم في الباقي بعدم القول بالفصل و لا وجه لما يتوهم من القلب لفرض من هو واجب التقليد عينا ثم تساوى مع غيره فإنه يستصحب وجوبه التعيني ثم يتم في الباقي بعدم القول بالفصل فإن الاستصحاب المثبت مقدم على النافي كما قيل و فيه أن مناط التخيير قبل التفاضل هو حكم العقل به بواسطة جريان مقدماته و بعد حصول التفاضل يرتفع ما هو مناط الحكم بالتخيير قطعا و لا يجري في أمثال هذه الموارد الاستصحاب لارتفاع مناط الحكم قطعا و توضيحه أن مناط حكم العقل بالتخيير هو اجتماع أمور أحدها عدم إمكان الجمع و ثانيها عدم إمكان الطرح و ثالثها عدم الأخذ بأحدهما على وجه التعيين لانتفاء المعين و استحالة الترجيح بلا مرجح فإذا فرض وجود أمر يحتمل أن يكون مرجحا يرتفع الأمر الثالث فلا وجه للحكم بالتخيير لا حقيقة و لا استصحابا أما الأول فظاهر و أما الثاني فلما قررنا في محله من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقلية لاختلاف الموضوع إذ على تقدير عدم الاختلاف في موضوع الحكم العقلي لا يعقل الشك فيه لأن العقل لا يحكم إلاّ بعد الإحاطة بحدود الموضوع و أطرافه و ذلك أمر ظاهر الثاني أن الأمر دائر في المقام بين كون المكلف به الرجوع إلى مطلق الفقيه حتى يكون المكلف مخيرا بينهما و بين أن يكون هو الرجوع إلى الأعلم و لا شك أن الثاني فيه كلفة ليس في الأول فمع عدم ما يلزم من الدليل لا يجب الالتزام لأن الناس في سعة ما لا يعلمون و ذلك كالشك في أن المطلوب هو مطلق الرقبة أو الرقبة المؤمنة مع انتفاء الإطلاق في البين و فيه منع كون المقام مما دار الأمر فيه بين الإطلاق و التقييد على وجه يجري فيه البراءة و توضيحه أن الشك في التعيين و التخيير يتصور في مقامات أحدها ما عرفت من دوران الأمر بين الإطلاق و التقييد و مرجعه إلى الأمر بالكلي المردّد بين أفراده المخير فيها بحسب حكم العقل الثاني أن يكون ذلك التخيير بحسب حكم الشرع كالتخيير بين الخصال الثالث أن يكون التخيير عقليا بواسطة المزاحمة و الفرق بينه و بين الأول ظاهر فإن الأمر لم يعلم تعلقه بغير الكلي في الأول بخلاف الثالث فإن تعلق الأمر بكل واحد منها معلوم مع قطع النظر عن المزاحمة و إنما قلنا بالتخيير بواسطة المزاحمة مع اشتمال كل واحد من طرفي التخيير على المصلحة الفعلية الرابع أن يكون التخيير بين فعل الشيء و تركه بواسطة دوران حكمه بين الوجوب و الحرمة مع عدم المرجح في البين و إذ قد عرفت ذلك فلا بد من بيان أن ما نحن بصدده من أيّ هذه الأقسام فنقول لا إشكال في أن التخيير بين الأعلم و غيره ليس من القسم الثاني إذ لا دليل في الشرع بكون مفاده