مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١١٣
كل منهما أثره يتوقف حينئذ على عدم تأثر الآخر ضرورة استحالة تأثيرهما معا لاستلزامه الجمع بين الأثرين المتضادين مع أن عدم تأثير كل منهما لا سبب له إلاّ تأثير الآخر فيلزم الدور اللّهم إلا أن يدعى الفرق بين اجتماع سبب الضدين في الوجود معا من دون تقدم أحدهما على الآخر و بين اجتماعهما متعاقبا بأن يتحقق أحدهما أولا فيؤثر أثره ثم يتحقق الآخر فإن الأول مستحيل لما ذكر بخلاف الثاني فإنه إذا فرض أن سبب أحد الضدين وجد في حال عدم سبب الآخر كان تأثيره مما لا مانع له ثم بعد أن أثّر أثره فلا استحالة في وجود سبب الآخر في محل آخر لأن هذا السبب حينئذ لا يؤثر تأثيرا باعتبار وجود المانع الذي قد سبقه أعني تأثير السبب المفروض وجوده سابقا إلا أن هذه الدعوى في الفرق أيضا لا تخلو عن حزازة و إشكال كما يظهر للمتأمل الدقيق و كيف كان فمن يقول باستحالة ذلك يعني اجتماع أحد الضدين مع تمام سبب الآخر و شرائطه كالتحقق على ما سمعت عنه في السابق في الجواب عن السبزواري فلا يجوز له الحكم بمقدمية رفع الضد الموجود لوجود المعدوم بل ينبغي له أن يجعل رفعه و وجود المعدوم معلولي علة واحدة أو علتين متساويتين في الرتبة كما عرفت عن الشيخ في الحاشية فإذن لا يكون توقف بينهما جدّا الثالث أن ما ذكره من التفصيل بعد الغض عن جميع ما ذكرنا و قبول حجيته إنما يتم في الأضداد القارة كالسواد و البياض و أما في الأضداد الغير القارة كالحركة و السكون و غيرهما من أفعال المكلفين التي كلامنا فيها فلا سبيل إليه لأنا نعلم بالضرورة و الوجدان أن المشتغل بالصلاة مثلا إذا حصل له ما يقتضي الإزالة مثلا من الشوق و الإرادة و العزم و غير ذلك من الأمور التي لا بد منها في تحقق الأفعال الاختيارية فيقطع الصلاة قهرا فيكون انقطاعها و وجود الإزالة في مرتبة واحدة من الوجود لا يمكن جعل أحدهما من مقدمات وجود الآخر جدا على أن المحتاج إليه في تحقق الإزالة إنما هو خلو زمانها عن فعل الصلاة مثلا و لا ريب أن قطع الصلاة و رفعها لا حاجة للإزالة إليهما إلا من جهة تفريغ زمانها عن فعل ضدّها كالصلاة فيكون الذي يتوقف عليه فعل الإزالة حقيقة هو عدم الصلاة في زمان ذلك الفعل مطلقا سواء كان مسبوقا بالوجود فرفع أو كان باقيا على الحالة الأولى و حينئذ فجعل الرفع من مقدمات مجيء الضد المعدوم حقيقة يرجع إلى كون مطلق عدم الضد من المقدمات فيكون الرفع مقدمة لتحصيل المقدمة التي هي خلو زمان الضد عن ضده فيعود الدور الذي كان رفعه موقوفا على عدم كون مطلق العدم من المقدمات فتدبر جيّدا في المقام فإنه مزلة للأقدام و معركة للآراء و من غوامض المطالب و لا أظنك بعد الإحاطة بجميع ما تلونا عليك حق الإحاطة و التأمل فيه كمال التأمل ذا مرية في عدم توقف شيء من فعل الضد على فعل ضده و تركه و إن اشتهر توقف الفعل على الترك خاصة من دون عكس بين كثير من أعاظم الأصحاب فإن الجواد قد يكبو و الصارم قد ينبو و الشهرة قد تكذب و كم ترك الأولون للآخرين نعم قد يتفق توقف ترك أحد الضدين في ثاني الزمان على إيجاد ضده في الزمان السّابق و لكنه خارج عن محل الكلام كما عرفت مثاله و بيانه في كلام المحقق الخوانساري عند الاعتذار عن المجيب عن شبهة الكعبي و اللَّه العالم بحقائق الأشياء المقدمة الثانية في تحرير محل النزاع من حيث ضيق المأمور به أو وجوبه و استحبابه أو تخييره و تعيينه إلى غير ذلك من الوجوه المتصورة في الأوامر و هكذا في الضد قال الفاضل القمي أعلى اللَّه مقامه موضع النزاع ما إذا كان المأمور به موسعا و الضد مضيّقا و لو كانا موسّعين فلا نزاع و أما لو كانا مضيقين فيلاحظ ما هو الأهم و قد يفصل بأن الضدين إمّا كليهما من حق اللَّه أو من حق الناس أو مختلفان فمع ضيق أحدهما الترجيح له مطلقا و مع سعتهما التخيير مطلقا و أما الثاني فمع اتحاد الحقيقة التخيير مطلوب إلا إذا كان أحدهما أهم في نظر الشارع كحفظ بيضة الإسلام و مع اختلافهما الترجيح لحق الناس لا مع الأهمية انتهى كلامه و يمكن المناقشة في هذا الكلام أولا بأن إخراج الموسّعين عن محل النزاع مما لا وجه له فإن الملازمة التي أثبتوها بين الأمر بالشيء و النهي عن ضده عقلية سارية في جميع الأوامر فكما أن الأمر المضيق يقتضي النهي عن ضده الموسع كذلك الأمر الموسّع يقتضي ذلك من غير فرق و الحاكم بذلك هو العقل على القول بالاقتضاء غاية الأمر أن النهي في الموضعين يختلف حسب اختلاف الأمرين فالأمر المضيق يقتضي النهي عن ضده على جهة التضييق و التعيين و الأمر الموسّع يقتضيه على جهة التوسعة و التخيير فالأضداد الواقعة في وقت الإزالة مثلا منهية على سبيل الضيق و يجب الاجتناب عنها فورا مضيقا معينا و الأضداد الواقعة في وقت الصلاة منهية توسعة فيجب الاجتناب عنها في مقدار فعل الصّلاة من أول الوقت إلى آخره و هكذا الكلام في المضيقين المتساويين في الأهمية فإن قاعدة الاقتضاء المزبور قاضية باقتضاء كل منهما النهي عن الآخر على سبيل التخيير العارض للأمرين باعتبار التزاحم و التكافؤ و قد يجاب عنها أولا بأنه لا مضايقة في القول بخروج الموسعين و المضيقين عن تحت النزاع لعدم جدواه و انتفاء الثمرة المذكورة لهذا النزاع فيهما ضرورة معلومية عدم اقتضاء النهي التوسعي التخييري المستفاد من الأمر الموسّع أو المضيق بالنسبة إلى مضيق آخر التحريم و الفساد و لا فائدة حينئذ في تعميم البحث بالنسبة إلى غير الموسّع و المضيق و ثانيا بأن المتبادر من الأمر و النهي المشتمل عليهما عنوان المسألة في كلام الأوائل و الأواخر إنما هو الإلزام في الفعل و الترك على سبيل الضيق و التحتيم و التعيين و هذا النحو من الأمر و النهي مختص بما إذا كان المأمور به مضيقا و الضد موسعا إذ قد عرفت أن في شيء من الموسعين و المضيقة ليس إلزام في فعل شيء معين أو تركه بل التوسعة و تزاحم المضيقين قاضيان بالرخصة في فعل كل فرد و تركه أما الرخصة في الترك