مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢١٨
نفس المعنى إلى أن يلحقه القيد فذكر القيد ينهض ببيان تمام المراد و قبل الاطلاع على القيد لو تخيل وروده مقام بيان تمام المراد لا ينافي ما ذكرنا إذ بعد الاطلاع يكشف عن عدم وروده في ذلك المقام و يكون اللفظ مستعملا في نفس المعنى على وجه الحقيقة لا يقال كما أنه يمكن ما ذكرت فيمكن أن يكون ورود المقيد كاشفا عن إرادة المقيد من المطلق فيكون مجازا لأنا نقول إن ذلك الوجه مما ينكره العرف مضافا إلى أن أصالة الحقيقة تحكم بما ذكرنا لا يقال إن أصالة الحقيقة لا مسرح لها في مورد يكون شيء يصلح لأن يكون صارفا عنها كما في المقام لأنا نقول بعد الغض عن أصل المبنى كما قرر في محله إنما هو في غير المقام لعدم اختلاف المقصود بالصرف و عدمه كما لا يخفى و بالجملة فلا يعقل فرق بين الرقبة الموصوفة بالإيمان في قولك رقبة مؤمنة و بين الرقبة المجردة فكما أن القول بأن الرقبة في التركيب الأول إنما يراد منها الرقبة المؤمنة بقرينة ذكر القيد يسمع في الغاية كما أوضحنا سبيله فيما مر فكذلك القول بأن المراد منها في الثاني هو المقيد لوجود ما يصلح للصرف في الأول أيضا ثم إنه بما ذكرنا يظهر فساد ما نسبه بعضهم إلى بعض الأفاضل من القول بأن المطلق مع قطع النظر عن المقيد له وضع مغاير لوضعه معه نظير فعل المضارع المقرون بلم وجه الفساد أن ذلك تكلف بارد إذ بعد إمكان استفادة الوجهين من وضع واحد لا وجه لتعدد الوضع بعد عدم مساعدة اعتبار عقلي أو نقلي عليه تذنيب قضية ما عرفت من معنى اللفظ و عدم اعتبار شيء في الموضوع له من الوجوه الطارئة و القيود اللاحقة هو عدم الفرق بين تعلق الأمر بالطبيعة أو النهي بها بحسب القواعد اللفظية المحضة في تشخيص مداليل اللفظ بحسب الأوضاع اللغوية فإن قولك لا تضرب لا يفيد سوى وجوب ترك ماهية الضرب المفروض كونها لا يزيد عليها شيء من الاعتبارات نعم ملاحظة ماهية الضرب على وجه الشيوع و السراية التي هي أحد الوجوه الطارئة عليها ثم النهي عنها يوجب التكرار و الدوام و قد عرفت أن ذلك خارج عن معنى اللفظ فلا بد له من التماس دليل آخر كما هو المحتاج في الأمر أيضا و القول بالفرق من حيث إن قولنا اضرب و لا تضرب متناقضان فلا بد من القول بإفادة النهي التكرار بملاحظة المناقضة واضح الفساد لما عرفت من أن نفس المعنى مما يصح اجتماع المتناقضين فيه و لذا لا تناقض بين وجود زيد الإنسان و عدم عمرو الإنسان فإن أريد ثبوت المناقضة بمجرد ملاحظة نفس المعنى فهو فاسد لجواز اجتماع النقيضين في مقام نفس المعنى كارتفاعهما و إن أريد ثبوته باعتبار آخر فهو لا ينافي ما نحن بصدده هداية في الشياع و السّريان قد تكرر فيما تقدم أن الشياع و السّريان خارجان عن معنى اللفظ و لا بد من إثباتهما إلى التماس وجه آخر غير اللفظ فلا بد من تحقيق ذلك الوجه فنقول إنه موقوف على أمرين أحدهما انتفاء ما يوجب التقييد داخلا أو خارجا الثاني كونه واردا في مقام بيان تمام المراد و متى شككنا في أحد الأمرين لا يحكم بالسراية إلا أن يكو ن هناك ما يوجب ارتفاع الشك من أصل أو دليل فلو دل دليل على التقييد لا وجه للأخذ بالإطلاق لارتفاع مقتضى الإطلاق لا لوجود المانع عنه و إن كان الدليل الدال على التقييد أيضا مما يحتمل فيه التصرف بحمل الوارد فيه على الاستحباب إلا أن أصالة الحقيقة تكفي في رفع ذلك الاحتمال و لا تعارض بأصالة الحقيقة في المطلق لعدم لزوم مجاز فيه و إنما حمل على الإطلاق و الإشاعة بواسطة عدم الدليل فالإطلاق حينئذ بمنزلة الأصول العملية في قبال الدليل و إن كان معدودا في عداد الأدلة دون الأصول فكأنه برزخ بينهما و توضيح المطلب أنه إن علمنا بعدم التقييد مع وروده في مقام البيان فلا ينبغي الإشكال في إفادته التخيير و الشياع إذ لولاه فإما أن يراد منه البعض المعين أو جميع الأفراد و كل واحد منهما خلاف الفرض لما عرفت من العلم بعدم التقييد فلا بد أن يراد منه التخيير فإن قلت إن ملاحظة المعنى على وجه التخيير أيضا من القيود التي فرضنا العلم بعدمها قلت نعم و لكن يكفي في إثبات ذلك القيد عدم ذكر قيد آخر و إخراج كلام المتكلم عن اللغوية و عدم إسناد القبيح إليه و هو إخفاء المطلوب مع أنه بصدد بيانه مع عدم ما يقضي بخلافه من مصلحة الإخفاء كما هو مفروض المقام فإن قلت يكفي في إثبات التخيير و الشياع استواء نسبة الماهية الغير الملحوظة بشيء من الاعتبارات إلى جميع أفراده فلا حاجة إلى إحراز كون المتكلم في صدد بيان تمام المراد كما صرح بذلك جماعة منهم بعض الأفاضل قلت لو لا كونه في مقام البيان لا يجدي ذلك في إفادة التخيير إذ استواء نسبته لا ينافي أن يكون المتكلم في مقام بيان بعض المراد و قد عرفت عدم إفادته الشياع في ذلك المقام نعم ذلك يفيد بعد إحراز كونه في صدد بيان تمام المراد فيحكم العقل بحصول الامتثال بالنسبة إلى كل الأفراد المتساوية في صدق الماهية عليها و أما إذا شك في أحد الأمرين فإن شك في ورود المقيد فبأصالة عدم ورود المقيد المعمولة عند أرباب اللسان يستكشف عدم التقييد و هذا مما لا ريب فيه و هل هناك أصل يرجع إليه عند الشك في ورود المطلق في مقام البيان قد يقال إن أغلب موارد استعمال المطلقات إنما هو ذلك فعند الشك يحمل عليه و ليس بذلك البعيد فتأمل و أما إذا علم بانتفاء أحدهما فلا ينبغي الأخذ بالإطلاق أما الأمر الثاني فلما عرفت من عدم الداعي لا لفظا و لا عقلا لعدم الدلالة و عدم لزوم القبيح و أما الأمر الأول فلو علم بورود ما يصلح للتقييد فلا وجه للاعتماد على أصالة عدم ورود القيد فهو و لو بملاحظة أصالة الحقيقة ينهض مقيدا للمطلق لكفايته في مقام البيان و يستكشف من ذلك عدم ورود المطلق في مقام البيان و يرتفع بذلك ما هو الوجه في الحكم بإطلاقه و هذا هو السّر في تقديم التقييد على أنحاء التصرفات المتصورة في اللفظ فلا حاجة إلى دعوى شيوع التقييد بالنسبة إلى غيره من التصرفات و