مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٥
إنما الإشكال في أن جعل الطرق للأحكام الظاهرية على أي وجه من الوجهين المعلومين فنقول إن الظاهر هو الوجه الثاني فإن مقتضى الأدلة الدالة على حجية تلك الطرق هو مراعات الواقع فلا يكون هذه الأمارات في عرض الواقع بل المستفاد منها أنها طرق إليه عند الجهل إما مطلقا من دون تقييدها بالفحص و عدمه كما في الأمارات المعمولة في الموضوعات مثل الاستصحاب و اليد و السوق و نحوها و إما مع الفحص كما في الأمارات المعمولة في الأحكام كما يرشدك إلى ذلك ملاحظة أدلة الأصول العملية كقوله كل شيء لك حلال حتى تعرف الحرام و غير ذلك فإن المستفاد منها هو وجود الحرام الواقعي مع قطع النظر عن العلم و الجهل و أن الشارع جعل في موارد الأصول أحكاما كلية في مقام العلاج و يظهر ذلك غاية الظهور من ملاحظة الأخبار الواردة في حجية الأخبار الموثوق بها و ملاحظة الأخبار الواردة في مقام علاج الأخبار المتعارضة و ملاحظة كلمات العلماء في الأبواب الفقهية و القوانين الأصولية و غيرها و يكفيك شاهدا في المقام الإجماع على حسن الاحتياط في الموارد التي قامت فيها الطرق الشرعية و الأخبار الآمرة على وجه الإرشاد بالأخذ بما هو الحائط و النهي عن ارتكاب الشبهات و الاجتناب عما لم يعلم و الوجه في ذلك كله ظاهر إذ لو لا أن الأحكام الواقعية محفوظة عند الجهل و العلم لوجب أن يكون بدل قوله حتى تعرف الحرام حتى تصير حراما بالمعرفة و من هنا قلنا بأن مقتضى تلك الأخبار هو وجوب الاجتناب عن الحرام المعلوم إجمالا في أطراف الشبهة المحصورة و أظهر من ذلك قوله كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر فإن القذارة أمر لا مدخل للعلم و الجهل فيها و تكون ثابتة على التقديرين غاية الأمر جواز ترتيب آثار الطهارة على المشكوك من حيث هو مشكوك الطهارة لا أن موارد الشك طاهرة في الواقع بواسطة الأصول المعمولة فيها و ما ذكرنا غير خفي على المتتبع الماهر سيما بعد ملاحظة وجوب الفحص و السؤال عن الأحكام الواقعية إذ المكلف يمتنع خلوها عن موارد الأصول العملية و على أي تقدير يصل إليه ما يساوي الأحكام الواقعية المجعولة على طبق الصفات الكامنة من جهة المصلحة و من المعلوم أن وصول ما يساوي لمصلحة الشيء يوجب سقوط ذلك الشيء و قضية ذلك عدم وجوب الفحص و السؤال كما قلنا مع أنه مأمور به في جملة من الروايات بل و هو مما اتفقت عليه كلمة أصحاب الت خطئة و بما ذكرنا يظهر اندفاع ما عسى أن يتوهم من أن وجود المصلحة في موارد الطرق لا ينافي وجوب الفحص عن الأحكام الواقعية لإمكان اشتراط وجودها بالفحص و وجه الاندفاع أنه لا وجه لذلك الاشتراط بعد عدم الاعتناء بالواقع كما لا يخفى و كيف كان فقد عرفت فيما تقدم أن لازم الطريقية هو عدم الإجزاء و لازم الموضوعية هو الإجزاء و قد ظهر بذلك وجه القول المختار من عدم الإجزاء في الأوامر الظاهرية الشرعية عند التخلف عن الواقع فيما إذا كان الوقت باقيا لبقاء الأوامر الواقعية بحالها و الطريق بعد تخلفه عن الواقع و انكشاف ذلك في الوقت مما لا دليل على اشتماله على مصلحة متداركة فإن قضية اللطف و نقض الغرض في التكاليف الواقعية لا تزيد على التزام وجود المصلحة في جعل الأمارة حجة فيما إذا لم ينكشف الخلاف مع عدم المطابقة واقعا و أما مع انكشاف الخلاف فلا دليل على وجود المصلحة في الطريق إذ المفروض بقاء الوقت و لا حاجة إلى تكليف جديد فيكفي و تحصيل المصلحة وجود الأمر الواقعي المعلوم كما هو المفروض فلا يلزم تفويت منه كما أنه لا دليل على ذلك مع المطابقة هذا كله مع إمكان الوصول إلى الواقع و أما مع تعذره كما في صورة الانسداد فجعل الطريق لا دليل على اشتماله على المصلحة إذ يكفي في جعل الطريق و كونه حسنا كونه مطابقا للواقع في الأغلب فعند التخلف عن الواقع من دون الكشف أيضا لا دليل على وجود المصلحة في العمل بالطريق لعدم استناد التفويت إليه تعالى فلا يلزم خلاف اللطف و من هنا ذكرنا في مباحث الظن أن كلام المانع من العمل بالخبر الظني أو اختص بصورة الانفتاح فله وجه و لا بد في دفعه من التزام وجود المصلحة في الطريق على وجه يساوي مصلحة الواقع عند التخلف كما عرفت في الوجهين السابقين و إن عم كلامه صورة الانسداد فلا وجه له إذا المفروض عدم إمكان الوصول إلى الواقع فيكفي في الجعل كون المجعول غالب المطابقة هذا كله بالنسبة إلى الإعادة فإن قضية القواعد عدم الإجزاء عنها و لا بد من الإعادة عند الكشف القطعي مضافا إلى دعوى الإجماع في ذلك عن كاشف الغطاء و لعله الظاهر و أما القضاء فإن قلنا بأنه تابع للأمر الأول من دون حاجة إلى بيان زائد عليه فلا إشكال في وجوبه أيضا لأنه حينئذ كالإعادة غاية الأمر أن المكلف بواسطة التأخير ثم عند العلم و بدونه لا بد من التدارك عند الانفتاح كما عرفت و لكنه لم يسقط عنه الواجب و كذا لو قلنا بأن أدلة القضاء قرينة عامة على بقاء الأمر الأول بعد الوقت كما أن أدلة الميسور حاكمة على أدلة المركبات الشرعية إذ لا ينبغي الإشكال حينئذ في وجوب القضاء إذ على تقدير بقاء الأمر الأول لا يلزم التفويت منه تعالى إلا أنه يلزم التدارك فيما لا يصل إليه المكلف من إيقاع الفعل في الوقت تعويلا على الطريق و اتكالا على الأمارة و أما لو قلنا بأن أدلة القضاء إنشاء أمر جديد من دون أن تكون حاكمة على أدلة الواجبات الموقتة كما هو الظاهر من لفظ الفوت المأخوذ في تلك الأدلة فيحتمل القول بالإجزاء إذ الفوت إنما يصدق مع عدم وصول المصلحة و المنفعة إلى المكلف و حيث إن ترك الواقع في المقام مستند إلى الاعتماد على الأمارة و الركون إليها فيجب التدارك منه تعالى و إيصال المصلحة إلى العبد و مع ذلك فلا فوت و يحتمل القول بعدم الإجزاء فإن وجوب القضاء مستند إلى أمر جديد دائر مدار ترك المأمور به واقعا و ذلك معلوم فيما نحن بصدده و أما حديث إيصال المصلحة إلى العبد فبعد صدق الترك الموجب لوجوب القضاء لأصل تدارك