مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٨٤
لا تبقى تلك الصّورة قطعا بل و حين النسيان و الغفلة أيضا فما ظنك بما بعد الموت حيث صار الذهن جمادا لا حسّ فيه و هذا الاستدلال مبني على كون الظن جزءا من الأجزاء البدنية و هو غير واضح و إنما الذي نتعقله و يساعد عليه الوجدان بل البرهان أيضا هو الذي ذكرنا من كونه قوة من قوى الحيوان الناطق يدرك بها الأشياء النظرية و به قوامها و تعينها بالحياة و بقاء تركيب الأخلاط الأربعة في هذا البدن و وجه ذلك أنه قد تقرر أن لكل خلط من الأخلاط الأربعة أثر في النفس الناطقة مثل أن أثر الصفراء هو الإدراك و سرعة الانتقال و جودة الذهن و أثر البلغم هو البلادة و سوء الفهم و بطء الانتقال و أثر الدم هو الشهوة و الغضب و هكذا و لا ريب أن هذه الإشارة إنما تظهر من الأخلاط الأربعة في حال الحياة فإن الموت عبارة عن فناء هذه الأخلاط كلها في البدن و تجرد النفس و خروجها عن الجسمانيات و بالجملة لا خفاء و لا إشكال عند المحققين مثل المير و الثانيين و أمثالهم أن الموت يوجب زوال الظن و أنه من الأعراض المشروطة بالحياة فدعوى بقائه بعد الموت واهية لا ينبغي الالتفات إليها و زعم صاحب الفصول وفاقا لبعض من تقدمه أن سبب زوال الظن إنما هو انكشاف حقائق الأمور بعد الموت و منع عن قيام دليل قاطع على ذلك قبل قيام السّاعة و أنت قد عرفت أن زوال الظن ليس لأجل انكشاف الواقع و انقلابه بالعلم بل لأجل فناء محله الذي هو الذهن المتقوم بتركيب الأخلاط و القوى في البدن و أما انكشاف الأشياء عند النفس بعد الموت و عدمه فهو مقام آخر لا يتوقف على أحد الطرفين بفوت المطلوب لأنا لو لم نقل بالانكشاف لقلنا بزوال الظن أيضا لما ذكرنا ثم قال سلمنا يعني زوال الظنون و انكشاف واقع الأحكام للمجتهد لكن الاعتقاد الراجح المحقق في ضمن الظن مما يمكن بقاؤه بموافقة العلم الطارئ فيستصحب بقاؤه لعدم القطع بزواله إذ التقدير تجويز موافقة علمه لظنه و زوال تجويز النقيض انتهى و فيه أولا ما عرفت لا ملازمة بين زوال الظن بعد الموت و انكشاف الوقائع فنقول إن الظن قد زال قطعا لما ذكرنا و حصول الاعتقاد الجديد الذي حصل له بعد الموت على فرض كونه موافقا للظن بحكم الاستصحاب بناء على حجيته في مثل المقام مع أن الاعتقاد الظني و الاعتقاد الجزمي مرتبتان متضادتان مختلفتان و الأول قد ارتفع جدا و الثاني حادث جديد و إجراء الاستصحاب فيه مبني على المسامحة و عدم التدقيق في البقاء و الحدوث كما في استصحاب الألوان الضعيفة مع القطع بتكاملها انقلابها إلى حالة الشدة على فرض بقائها اعتقاد نشأ لا عن دليل لأن اعتقادات الموتى و علومهم تحصيل بالمكاشفة و الشهود و لم يقم دليل على أن جواز التقليد حكم من أحكام هذا النحو من الاعتقاد الخارج عن عالم الاجتهاد و قد تقرر أن استصحاب الموضوعات الغير الشرعية كالحياة و العلم و الظن و نحوها إنما هي عبارة عن إجراء أحكامها الشرعية عليها التي يعلم ثبوتها لها على فرض بقائ ها كحرمة نكاح الزوجة على فرض حياة بعلها مثلا فحيث كان المستصحب على فرض بقائه مما لم يقم دليل شرعا على ترتيب الحكم عليه لم يكن فائدة في استصحابها فبعد اللتيا و التي صار نتيجة كلامه أن الاعتقاد الظني الحاصل للمجتهد في حال الحياة قد تكامل بالموت و بلغ حد الجزم بحكم الاستصحاب و من الواضح أن مجرد ذلك لا يتم به المدعى بل لا بد أن يكون دليل دل على أن جواز التقليد حكم من أحكام الاعتقاد الراجح كسبيّا كان أو كشفيا ثم إثبات بقاء الاعتقاد بعد الموت ليترتب عليه حكمه الشرعي و نحن نقول كما ستعرف في ردّ الاستصحاب الذي يتمسك به المجوزون إن هذا الدليل مفقود و حينئذ فلا ينفع استصحاب بقاء الاعتقاد الراجح بعد الموت جدّا و من هنا ينقدح أنه لا يضرّنا الاعتراف ببقاء الظن نفسه من دون تكامل و تقلب بالقطع أيضا و إن كان بناء أهل الاستدلال على الزوال و لعله لأجل معلومية ذلك عند المستدل بحيث لم يخطر بباله أن عاقلا يذهب إلى بقاء الظن فالأولى أن يقال إن الدلائل الظنية حجيتها إنما هي باعتبار الظن الحاصل منها للمجتهد الحي لكنه لا يخلو عن مصادرة و يدفع الثاني بأن مناط الحجية إذ كان هو الظن كان الحكم يدور مداره لأنه يقع وسطا لقياس نتيجته القطعية المطلوبة و من الواضح المقرر أن الاستنتاج يحتاج إلى ثبوت الملازمة بين النتيجة و بين الوسط بحيث يلزم من وجود أحدهما وجود الآخر و من انتفائه انتفاؤه بيان ذلك أن الدليل ما كان بينه و بين مدلوله ملازمة واقعية بحيث يلزم من العلم به العلم به و هذا في غير الأدلة الشرعية واضح و أما فيها ففي القطعيات منها أيضا لا إشكال في ثبوت الملازمة بينها و بين نتائجها واقعا و أما الظنيات كخبر الواحد و الشهرة و أمثالها فهي في أنفسها ليست من الأدلة حقيقة لانتفاء الملازمة بينها و بين المطلوب منها لكنها بملاحظة الدليل الثانوي الدال على حجيتها من العقل و النقل صارت حجة شرعية إما تعبّدا أو باعتبار ما فيها من الظن الذي يحصل للمجتهد و معنى صيرورتها حجة دوران النتيجة معها على قياس دوران المطلوب مدار الحد الوسط في سائر القياسات مثل ما يقال زيد متعفن الأخلاط و كل متعفن الأخلاط محموم فكما أن الحكم بالحمى في زيد يتوقف على بقاء تعفن الأخلاط كذلك الحكم بحرمة ما ظنه المجتهد و اعتقده باجتهاده حراما يتوقف على بقاء الظن لأنه بمنزلة تعفن الأخلاط في قولنا هذا مظنون الحرمة و كل مظنون الحرمة حرام لا يقال لا كلام في أن الحجة عبارة عن الوسط الذي يستلزم المطلوب وجودا و عدما و إنما الكلام في أن ذلك الوسط ما ذا و أنت تدعي أنه الظن المستمر إلى آن الحكم و نحن نقول إنه تعلق الظن بالحكم في الجملة و نقول فيما إذا زال الظن بعد أن كان موجودا إن هذا مما تعلق بحرمته ظن المجتهد قبل و كل ما كان كذلك فهو حرام