مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١٣٥
و مثل ما نحن فيه الاتّزار فوق القميص في الصلاة و حمل الحديد فيها فإنهما لا مرجوحية فيهما بحسب الشرع إلا أنهما مرجوحان في الصلاة و الإيراد على هذا الجواب مما لا حاجة إلى بيانه بعد ما عرفت و هذه جملة من الكلمات التي أوردوها في النقض بالعبادات المكروهة التي بين عنوان المنهي عنه و المأمور به عموم مطلق و أما الكلام في العموم من وجه فظاهرهم جريان الأجوبة المذكورة فيه أيضا بل و هو صريح المجيب الأول في حاشية المعالم حيث إنه بعد ما أورد الجواب المذكور في المقام الأول طرد الكلام في المقام أيضا و فيه مضافا إلى الوجوه السابقة أن ذلك يوجب في العموم من وجه استعمال النهي في أكثر من معنى حيث إن المستفاد منه في غير مورد الاجتماع هو الكراهة المصطلح عليها فلو استفيد منه فيه معنى آخر لزم ما ذكرنا سواء في ذلك ما لو قيل بأن النهي للإرشاد أو مستفاد منه قلة الثواب أو غير ذلك من وجوه التصرف الراجع إلى اختلاف المعنى و هو ظاهر و الإنصاف أن شيئا من الوجوه المذكورة لا يشفي العليل و لا يروي الغليل كما عرفت مفصّلا مضافا إلى أن شيئا من الوجوه المذكورة لا ينهض بدفع النقض في العبادات المكروهة التي لا بدل لها كالتطوع و نحوها فلا بد من تحقيق المراد من الكراهة في العبادات من بسط الكلام في طي مقامات فإن العبادات المكروهة على أقسام فتارة يكون المنهي عنه أخص من المأمور به مع وجود البدل له من جنسه كالصلاة في الحمام و تارة لا يكون لها بدل من جنسه كالصوم في السفر و الصلاة عند طلوع الشمس حيث إنه يستحب التطوع بها في كل زمان يسعها و تارة يكون النهي عنه أعم من وجه من المأمور به مع اتحادهما في الصدق في الخارج كا ستعمال الماء المشتبه في الوضوء و الصلاة في بيوت الظالمين المقام الأوّل في تحقيق المراد من الكراهة في العبادات التي لها بدل مع كون المأمور به أعم من المنهي عنه كالصلاة في الحمام و تنقيح البحث فيه لعله موقوف على تمهيد و هو أن المستفاد من إطلاق الأمر المتعلق بطبيعة من الطبائع في موارده أمور ثلاثة الأول ترخيص الأمر للمكلف إيجاد تلك الماهية بالإتيان بها في ضمن أي فرد كان من أفرادها الثاني حصول الامتثال و سقوط الطلب المتعلق بتلك الماهية بالإتيان بها في ضمن أي فرد كان و هذا إنما هو من لوازم الترخيص المستفاد منه كما عرفت فجميع أفراد تلك الماهية متساوية في مقام الامتثال الثالث أن هذه الأفراد متساوية فيما يترتب على تلك الماهية من الأجر و الثواب فإذا فرضنا تعلق نهي بفرد من أفراد تلك الماهية فإما أن يكون ذلك النهي ناظرا إلى الترخيص المستفاد من إطلاق الأمر فلا محالة يكون ذلك النهي تحريميّا و هل يستفاد منه عدم وقوع الامتثال عن تلك الماهية بالفرد المنهي عنه أو لا بل النهي مفاده التحريم فقط أو لا يستفاد منه التحريم بل هو مسوّق لعدم الاكتفاء به في مقام الامتثال فليس نفي الترخيص بل هو نفي ترخيص وضعي وجوه يبحث عنها في المسألة الآتية من اقتضاء النهي الفساد كما ستعرف الحق إن شاء اللَّه تعالى و إما أن لا يكون ذلك النهي تحريميا بل هو نهي تنزيهي فيكون ناظرا إلى عدم استواء تلك الأفراد التي يقع بها الامتثال عن تلك الماهية في الأجر و الثواب المترتب على تلك الماهية كما أن الحق أن النهي التحريمي المتعلق بفرد من العبادة كالنهي عن الصلاة في الحرير يستفاد منه مجرد المانعية و لا يستفاد منه في العرف التكليف فيكون الفرد المنهي عنه حراما من جهة التشريع و ليس من المحرمات الذاتية و إذ تمهد هذا فنقول إن تلك النواهي ليست على حقائقها المصطلح عليها من رجحان الترك و مرجوحية الفعل بل إنما هي إرشاد إلى أن تلك الأفراد أقل ثوابا عن الأفراد الآخر و ليس خاليا عن معنى الطلب كما توهمه بعض الأجلة بل مفاد الأمر و النهي الإرشاديين هو الطلب و الداعي إليه هو بذل النصح للمطلوب منه و إراءة طريق له إلى اختيار الفرد الكامل في مقام الامتثال ليتوصّل به إلى الفوز بأعلى مراتب الثواب المقرر لتلك الماهية فإن قلت فما تقول في دفع ما أورد على الجواب المذكور من عدم الانضباط و كراهة العبادات الناقصة الثواب قلت إن ليس مجرد قلة الثواب منشأ للكراهة بل كان ذلك بواسطة وجود مانع عن ترتب الثواب المقرر لتلك الماهية و توضيح للبحث أن لماهية الصلاة قدرا معينا من الثواب يترتب على الامتثال بها عند إيجاد أفرادها و قد يكون لتلك الماهية باعتبار وجود خاص لها ثوابا زائدا على ما هو مقرر للماهية في ضمن وجوداتها الآخر و قد يكون لها باعتبار انوجادها بوجود مخصوص ثواب أقل من الثواب المقرر للماهية و لا بد أن يكون تلك الزيادة و النقيصة باعتبار انضمام حيثية خارجة عن حقيقة العبادة لازمة للوجود الخاص الذي به يتحقق تلك الماهية فيكون الزيادة بواسطة تلك الحيثية و كذلك النقيصة فإن لم يكن وجود تلك الماهية ملازما لحيثية منقصة أو مرجحة فإيجاد الماهية بهذا الوجود يعدّ من الأفراد الغير المكروهة و المستحبة و إيجادها بالوجود الملازم لتلك الحيثية المنقصة كإيجاد الصّلاة في الحمام يعدّ مكروها ناقص الثواب بواسطة وجود المانع و إيجادها بالوجود الملازم لحيثية مرجحة يعدّ مستحبّا زائد الثواب بواسطة وجود مقتضي الزيادة مع عدم ما يقضي بالنقصان فليس كل ما هو ناقص الثواب مكروها حتى يرد النقض بالصلاة في البيت و المسجد بالنسبة إلى الفرد الكامل و لا كل ما هو زائد الثواب مستحبّا حتى يرد النقض أيضا بالصلاة في البيت بالنسبة إلى الصلاة في الحمام بل النقصان لو كان بواسطة وجود المانع فهو المكروه و النقصان في الصلاة في البيت بواسطة عدم المقتضي لا بواسطة وجود المانع و الزيادة لو كان منشؤها وجود مقتضي الزيادة كان مستحبا لا فيما إذا كانت الزيادة مستندة إلى عدم المانع كما في الصلاة في البيت و حينئذ يندفع المحذور بحذافيرها و لا يرد عليه شيء من الإيرادات السابقة لعدم ابتنائه على المصالح و المفاسد و لا يلزم استعمال النهي في الإخبار فإن الإرشاد من المعاني المتعارفة