مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٦٢
الآية مخصصة لما يدل على حرمة العمل بما وراء العلم و لذلك استشهد الإمام عليه السلام بالآية على وجوب النفر ليحصل معرفة الإمام كما في رواية عبد الأعلى قال سألت أبا عبد اللّه عليه السلام عن قول العامة إن رسول اللّه صلى اللَّه عليه و آله قال من مات و ليس له إمام مات ميتة الجاهلية قال عليه السلام حق و اللّه قلت فإن إماما هلك و رجل بخراسان لا يعلم من وصيه لم يسعه ذلك قال لا يسعه إن الإمام إذا مات رفعت حجة وصيه على من هو معه في البلد و حق النفر على من ليس بحضرته إن اللّه عز و جل يقول و لو لا نفر من كل فرقة الآية فإن من المعلوم أن إمامة الإمام إنما يطلب فيها العلم و لا يكفي فيها متابعة الغير من غير حصول العلم فلا دلالة في الآية إلاّ على لزوم التفقه و الإنذار من حيث إن الإنذار يوجب الحذر عند حصول العلم أو ما يقوم مقامه في العادة و هو ظاهر لكن التقليد المطلوب إثبات جوازه للحي و الميت لا يراد منه ذلك الطريق العلمي أو ما يقوم مقامه و ذلك ظاهر لمن أنصف من نفسه و راجع موارد التقليد و كلمات العلماء حيث إنهم مطبقون على أن التقليد طريق خاص للمقلد و نحن أيضا نتكلم في مثل هذا التقليد و إن أريد إثبات الوجه الثاني كما هو المفيد فيما نحن فيه فالإنصاف عدم نهوض الآية على ذلك فإن المنساق منها هو المنساق من جميع الأدلة الدالة على لزوم إبلاغ الأحكام لاهتداء الناس إلى الواقع و ليس مفاد الآية إلا مثل مفاد قول القائل أخبر زيدا بقيام عمر و لعله يقبل و لا يستفاد من هذا الكلام إنشاء حكم في الظاهر لوجوب العمل بخبره و إن لم يوجب العلم و مما يؤيد ذلك ملاحظة لفظ الحذر في الآية فإن ذلك ليس من الأمور الاختيارية بل هو أمر قهري لكنه بعد حصوله فالعقل يحكم بوجوب دفعه و علاجه في الموارد التي يحكم بوجوبه و بالجملة فالظاهر منها وجوب الإنذار الذي يترتب عليه الحذر الموجب لتحصيل العلم بالتكليف أو رفعه كما هو قضية حقيقة الحذر فتدبر سلمنا دلالة الآية على التقليد التعبدي لكن لا يدل على تقليد الميت لأن الظاهر على ذلك التقدير جواز الأخذ بإنذار الحي و ما يبدو في بعض الأنظار من الإطلاق فلعله مبني على قاعدة اشتراك التكليف و ليس المقام منه إذ ليس الشك في العموم و الخصوص بل الشك في الحكم الشرعي كما هو ظاهر و أما صدق الإنذار فيما إذا كان المنذر أوجد السبب و نصب العلامة فهو على خلاف الظاهر فإن السبب ليس إنذارا حقيقة و أما فيما لو عصى المكلف بعد إنذاره في زمن الحياة فإن أخذه العاصي للعمل ثم لم يعمل به عصيانا فعلى القول بأن التقليد هو الأخذ يكون من التقليد الاستمراري و على القول بأنه العمل فلم يتحقق تقليد سواء أخذه أو لم يأخذه و لا نسلم وجوب الحذر بعد الموت في الصورة المفروضة فإن الظاهر من الآية ترتب الحذر على الإنذار فيما يصح انتزاع وصف المنذرية من المنذر و لا يصح ذلك بعد الموت فتأمل سلمنا الإطلاق أيضا لكن الإنصاف أن الإجماعات المنقولة في صدر المسألة تكفي في تخصيص الآية و تقييدها بصورة الحياة ثم إن ما ذكرنا من تسليم الإطلاق إنما هو مبني على أن يكون وجه الاستدلال بالآية هو ما أفاده في المعالم من أن بعد انسلاخ كلمة التجري عن معناها تكون ظاهرة في محبوبية مدخولها للمتكلم لأن ذلك يمكن أن يكون علاقة في المقام و إذا تحقق حسن الحذر وجب لأن مع وجود المقتضي يجب و مع عدمه لا يحسن لأن العقاب إمّا معلوم الوجود فيجب الحذر أو معلوم العدم إذ لا يعقل الشك في العقاب فلا يحسن الحذر و لا ينافي ذلك حسن الاحتياط لأنه مع الأمن كما لا يخفى إذ بدونه فالاحتياط واجب و أما بناء على أن يكون وجه الاستفادة هو الملازمة العرفية بين وجوب الإنذار و حرمة الرد و وجوب القبول فظاهر انتفاء الإطلاق و ستعرف توضيحه في الآيات الآتية الثانية قوله تعالى فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون لأنه لو فرض السؤال و مات المسئول بعد الجواب يلزم القبول لئلا يلغو وجوب السؤال كما عرفت في استدلال الشهيد بحرمة كتمان ما في الأرحام على وجوب قبول قولهن و الإنصاف أن لا دلالة في الآية على التقليد أصلا أما أولا فلأن الظاهر من سياق الآية هو إرادة علماء اليهود كما رواه علماء التفسير فإن الآية واردة في مقام معرفة النبي صلى اللَّه عليه و آله و من الظاهر أن ذلك لا يكفي فيه غير العلم ففي الآية إراءة طريق إلى ما يوجب العلم و هو الظاهر من قوله إن كنتم لا تعلمون فإنه ظاهر في أن الوجه في وجوب السؤال هو تحصيل العلم و لئن أغمضنا عن ذلك و لم نأخذ بما هو اللائح من سياقها فهناك أخبار عديدة مشتملة على الصحيح و غيرها يدل على أن أهل الذكر هم الأئمة عليهم السلام على وجه الحصر و أما ثانيا فلأن بعد فرض الدلالة لا إطلاق فيها على وجه يشمل الميت إذ من الظاهر ظهورها في الحي إذ لا يعقل السؤال من الميت و أما وجوب القبول فالمفروض أنه مدلول التزامي لوجوب السؤال و لا يعقل الإطلاق و التقييد في المداليل الالتزامية إذ الموجب هو لزوم اللغوية لولاه و يكفي في دفعه القبول حال الحياة في الأغلب الثالثة آية الكتمان و هو قوله تعالى إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البيّنات و الهدى من بعد ما بيّناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم اللّه و يلعنهم اللاعنون دلّت الآية على وجوب الإظهار و حرمة الكتمان و هو يلازم وجوب القبول و فيه أولا أن المورد مما لا يمكن تخصيصه في العمومات و مورد الآية كتمان اليهود لعلامات النبي صلى اللَّه عليه و آله و من المعلوم أن ذلك لا بد فيه من العلم فلا دلالة فيها على التقليد التعبدي و ثانيا سلمنا لكنه لا إطلاق بالنسبة إلى الميت لعدم ما يوجبه الرابعة آية النبأ و يدل على دلالتها على التقليد استدلال العلماء بها على عد الة المفتي فلو لا دلالتها لم يكن له وجه و فيه أن النبأ هو الإخبار عن الواقع لا الإخبار عن الاعتقاد و أما وجه الاستدلال بها فهو من حيث إن الإخبار عن الرأي ربما يكون