مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٢٦٩
تفصيلا في المسألة و مراجعة الأدلة التي قدمناها قاضية بذلك أيضا أ لا ترى أن قول السيّد الجزائري رحمه الله في ما زعمه من الدليل من أن الحكم بصحة صلاة من مات مجتهده بعد ما صلى الظهر و بطلان صلاة عصره يوجب الشراكة مع الشارع صريح في الردّ على الاستدامة و كذا جواب القوم عنه كالسيّد الكاظمي رحمه الله بالنقض بطريان الفسق و أمثاله مثل ما إذا تغير الرأي في أثناء العمل فلو كان البقاء على التقليد خارجا عن حريم النزاع كان الوجه في الإيراد على الدّليل المذكور أن ذلك خروج عن محل النزاع و مثل ذلك في الدلالة على أن التفصيل بين الاستدامة و البقاء إنما هو من أقوال المسألة التي نحن بصددها ما ذكره المحقق الكاظمي رحمه الله في الجواب عن استدلال المجوزين من العامة و غيرهم بأن موت الشاهد لا يبطل شهادة له و كذا فتواه حيث قال أولا إن الشاهد إذا شهد عند القاضي ثم مات قبل الحكم فيحكم بعد ذلك بمقتضى تلك الشهادة فليس ذلك من القاضي اعتدادا يقول الميت و شهادته بل بما أصاب من العلم المحرر عنده ثم قال و أقرب من ذلك و أسلم منه هو أن الكلام في تقليد الميّت و اقتفاء أثره و اتباعه فيما ظنه و استنبطه لا في اعتبار خبره و ذلك أن الأول قد يعارض بتقليد الميت فيما تناوله منذ حيا انتهى و هذا الكلام من الصّراحة بمكان لا يقبل الإنكار و كذا أكثر الأدلة التي أقامها المانعون مما بينا على بقاء الظن يعمّ البدوي و الاستمراري و قد يتوهم أن المشهور الذاهبين إلى عدم جواز تقليد الميّت إنما كلامهم يختص بالابتداء و لا يتوجه نظرهم إلى الاستمرار و هو وهم ناش عن قلة التدبر في كلمات المانعين و المجوزين كما عرفت و أغرب من ذلك أنه قد يذكر في ذلك أقوال منها القول بوجوب البقاء و منها القول بحرمته و وجوب العدول و منها القول بالتخيير بين البقاء و العدول و منها القول بوجوب العدول لو كان الحي أعلم و إلا فالبقاء لازم و الحق أنه منحصر في هذه المسألة في قولين قول باشتراط الحياة في الاستدامة و قول بعدم الاشتراط فإذا قلنا بالاشتراط فلا وجه لمسألة العدول لبطلان التقليد بواسطة انتفاء شرط آخر مثل تبدل الرأي أو عروض الفسق أو الجنون و إذا قلنا بعدمه فيكون من موارد العدول و عدمه و الأقوال في مسألة العدول لا ينبغي عدّها في أقوال هذه المسألة كما أن القول بوجوب تقليد الأعلم لا ينبغي عده في أقوال هذه المسألة مع أن ذلك إنّما يتم فيما إذا صار الحي أعلم بعد الموت إذ لو كان قبله لم يجز تقليده رأسا و ذلك نظير التفصيل المنقول عن العلامة الجرجاني حيث أخذ فيه القول بوجوب الأخذ مشافهة و كيف كان فالمختار أيضا هو مختار المشهور إلا أن الأصل في المقام يخالف الأصل في التقليد البدوي و توضيحه أن قضيّة الأصل على ما عرفت سابقا هو المنع مطلقا لكونه قدرا معلوما و ليس في المقام كذلك إلاّ على القول بجواز العدول فإنّ الرّجوع إلى الحي لا غائلة فيه على التقادير بخلاف ما إذا قيل بعدم جواز العدول فإنه يدور الأمر بين الغير الجائز و البقاء الغير الجائز فيكون قضية الأصل هو التخيير بين الاحتمالين عند عدم المرجح لأحدهما و على تقديره فالأخذ بما فيه الترجيح و لا سبيل إلى القول بلزوم الأخذ بالبقاء على تقدير حرمة العدول فإنّ حرمة العدول في الصّورة المفروضة ليست معلومة بل محتملة كما أنه لا سبيل إلى القول بلزوم العدول لأن جواز العدول و عدمه إنّما يتكلم فيه و يبحث عنه فيما لو فرضنا صحة التقليد و أمّا فيما لو احتمل فساد التقليد أصلا لا وجه لاحتمال حرمة العدول فيكون قضية الأصل أيضا هو المنع و ذلك لأن احتمال حرمة العدول موجود بعد فلا يكون تقليد الحي معلوم الصّحة فإن احتمال فساد أصل التقليد لا ينافي احتمال صحّة الملازم لاحتمال حرمة العدول الموجب للتخيير العقلي ثم إنه ذهب جماعة من المعاصرين و من قاربهم في العصر إلى التفصيل المذكور بل ربما يدعي بعضهم كونه من المسلّمات و استدلوا على المنع في البدوي بما عرفت من الأدلة السّابقة و على الجواز في الاستمراري بوجوه الأوّل الاستصحاب و تقريره بوجوه منها استصحاب الأحكام الثابتة في ذمّة المقلد كحرمة العصير العيني مثلا بواسطة التقليد قبل موت المجتهد و منها استصحاب الأحكام المتعلّقة بوجوب القصر عند ذهاب أربعة فراسخ مثلا و مرجعه إلى استصحاب الملازمة الفعليّة فيكون من الاستصحاب التنجيزي كما حرر في محله و منها استصحاب صحة التقليد كما إذا شك في صحة البيع مثلا و منها استصحاب حرمة العدول على القول بها و الجواب هو ما قدمناه في استدلال المجوزين على الإطلاق و حاصله أنا قد بينا في محله أن من شرائط جريان الاستصحاب العلم ببقاء الموضوع و هو غير حاصل إمّا للعلم بارتفاعه على القول بارتفاع الظن أو عد العلم ببقائه و العمدة في الاستدلال بهذه الاستصحابات الغفلة عما يدور عليه رحى الاجتهاد و الميل عن طريق المجتهدين بسلوك سبيل وعر سلكه الظاهريون الأخباريون من أصحابنا و إن كان هؤلاء لا يرضون أيضا بالتمسك بالاستصحاب كما لا يخفى على المتأمّل و بيانه إجمالا أن مناط الأحكام الظاهرية عندنا معاشر المجتهدين هو الظنّ و القدر المعلوم من استتباعه الأحكام الظاهرية هو ظنّ الحيّ سواء قلنا ببقاء الظن بعد الموت أو قلنا بارتفاعه و بعد ارتفاع الوصف لا يصح جريان الاستصحاب الحكمي و الموضوعي أيضا غير مفيد كما حرر في محلّه سابقا الثاني إطلاقات الأدلة كتابا و سنّة فإن شمولها لوجوب الأخذ بقول المفتي فيما لو أخذه أولا ممّا لا ينبغي إنكاره و الجواب عنه أولا فيمنع دلالتها على أصل التقليد كما مر الوجه في ذلك مفصّلا و ثانيا لو سلمنا دلالتها على التقليد فيمنع إطلاقها أما فيما عدا آية النفر من الآيات الكتابيّة فلأن دلالتها من باب الملازمة العرفيّة و لا إطلاق في المداليل الالتزاميّة و أما فيها ففي وجه