مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ١١٨
و هو أن الأمر بالشيء لو قيل إنه يقتضي عدم الأمر بالضد مكان النهي عنه لكان أولى و الذي دعاه إلى هذا أن الثمرة المترتبة على النهي من فساد العبادة الموسعة الواقعة في وقت المضيق على هذا القول أوضح إذ ربما أمكن دعوى الصحة مع النهي كما يجيء في الاستدلال و لكن لا يمكن دعواها مع عدم الأمر مضافا إلى أن اقتضاء الأمر بالشيء عدم الأمر بالضد أقرب في الاعتبار و الاستدلال من اقتضائه النهي عنه و هذا القول في بادي النظر يخالف القول باقتضائه النهي عن الضد و لكن التحقيق أن هذا القول إن لم يرجع إلى القول المشهور ففي غاية البعد من التحقيق بيان ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمة و هي أن المصحّح للامتثال في العبادات على القول بتعلق الأمر بالطبائع دون الأفراد إنما هو تعلق الأمر بعنوان و أفراد مقدرة مندرجة تحته على نحو صدق الكلي على الفرد و لا حاجة إلى تعلق الأمر بخصوص ما يأتي به المكلف من تلك الأفراد بل يكفي في صحة اندراجه تحت ذلك الكلي المأمور به فلو ورد أمر بعتق رقبة أو إتيان رجل فذلك الأمر المتعلق بكلي العتق يقتضي الإجزاء و الصحة في الفرد الذي يأتي به المكلف في مقام الامتثال من غير أن يكون بذلك الفرد بخصوصه أمر بخصوصه بل معنى كونه مأمورا به كون الكلي الذي هو فرده مأمورا به فيكون احتياج أفراد العبادات إلى الأوامر احتياج كلياتها إليه ثم عدم ورود تخصيص يوجب خروجه عن ذلك الكلي نحو الصفة بحال متعلق الموصوف فحينئذ فعدم صحة بعض الأفراد بمعنى عدم كونه مجزيا في مقام الامتثال بذلك الكلي لا بد و أن يكون ناشئا من منع المولى من الإتيان به في ذاك الفرد إذ لا حاجة لذلك الفرد من حيث كونه مجزيا مسقطا عن التكليف بذلك الكلي إلى الإذن من المولى و الأمر به و إلا لكان أفراد الماهية الواحدة التي يتعلق بها أمر عيني واجبات عينية ضرورة عدم معقولية التفكيك بين الأمر المتعلق بالكلي و الأوامر المتعلقة بالأفراد من حيث العينية و السنخية بعد سريان أمر ذلك الكلي إلى الأفراد الواجد كل واحد منها للكلي بتمامه فحيث ما نحكم ببطلان بعض الأفراد فلا بد لنا في ذلك من الاستناد إلى المنع في مقام الامتثال و إلا فيكفي في الحكم بالصحة أمران تعلق الأمر الشرعي بكلي ذاك الفرد و اندراجه تحت ذلك من غير الاحتياج إلى أمر المولى بخصوص ذلك الفرد إذا تحقق ذلك فظهر فساد قول البهائي لأن الكلام إنما هو في الأضداد الموسعة للمأمور به و لا ريب في أن الواجبات الموسعة كليات بحسب الأزمان ذات أفراد كثيرة فالحكم بفساد بعض أفرادها المصادم لزمان المأمور به المضيق لا بد أن يستند إلى المنع و النهي فلو قيل بأن الأمر بالمضيق يقتضي المنع و النهي من الفرد من الموسع الواقعة في وقته اتجه الحكم بالفساد كما يقول به المشهور و إلا فمجرد عدم كونه مأمورا به لا يحكم بفساده كيف و ليس شيء من الأفراد بمأمور به و مأذون فيه غير الإذن العقلي الذي ينشأ عن انطباق الكلي المأمور به عليها سواء وقعت في وقت واجب مضيق أم لا فلو كان الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن الضّد فلا فائدة في القول بأنه يقتضي عدم الأمر به بعد أن كان مقطوعا به مع قطع النظر عن ذلك الأمر المضيق نعم يتم كلام البهائي بعد ثبوت أحد أمرين أحدهما أن يكون الأمر المضيق بمنزلة التخصيص أو التقييد اللفظي لعنوان الضد الموسّع بغير الفرد الذي وقع في زمان ذلك المضيق على أن يكون وجوب الإزالة فورا بمنزلة الاستثناء من قوله تعالى أقم الصّلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل حتى يصير بمنزلة قولك إلا الزمان الذي فرض فيه شيء فورا كالإزالة فإنه لو تم أن الأمر المضيق يوجب مثل هذا التخصيص في عنوان الضد لتم قوله بأن عدم الأمر يكفي في الفساد لأن الفرد الواقع وقت الإزالة حينئذ لم يكن أولا داخلا تحت المراد من أقم الصّلاة فلم يكن الأمر المتعلق بالصلاة كافيا في حجية هذا الفرد الخارج أولا من غير الاحتياج إلى المنع و النهي و لكن أنى له بإثبات مثل هذا إذ كل أحد يعلم أن الأمر بالشيء لو اقتضى النهي أو عدم الأمر فإنما يقتضيهما من حكم العقل و استحالة التكليف بالأمرين في وقت و تقديم المضيق و الاستحالة هذه لا تقتضي التخصيص و التقييد في عنوان الصلاة بحسب المراد بل إنما يقتضي المنع العقلي الذي هو في حكم المنع الشرعي عن الإتيان بغير الواجب الفوري من الصلاة و غيرها و ثانيهما أن يكون التخيير في أفراد الموسع بحسب الوقت تخييرا شرعيا مثل التخيير في الواجبات التخييرية فإن القول بأن الأمر بالشيء يقتضي عدم الأمر دون النهي يفيد حينئذ مفاد القول بأنه يقتضي النهي لأن الأفراد حينئذ قد أمر بها شرعا بخصوصها فمتى قلنا إن الأمر المضيق يوجب خروجها عن صفة المأمور به اتجه الحكم بالبطلان من دون أن يكون هناك نهي و لكن التحقيق عندنا أن التخيير في الواجبات الموسعة بحسب الأوقات غير عقلي نحو التخيير بين أفراد الكلي المأمور به لا تخيير شرعي كالتخيير في الواجبات التخييرية هذه هي الأقوال في المسألة و أما ثمرة هذا النزاع فلا بأس بأن نشير إليها قبل الشروع في ذكر الأدلة منها ترتب العقاب في فعل الضد و عدمه و الأولى تبديل العقاب بالعصيان لأن ترتب العقاب في النواهي الغيرية غير معلوم بل إنما المعلوم خلافه كما مر تحقيقه في الواجب الغيري و أيضا العقاب أمر أخروي راجع أمره إلى اللَّه تعالى فلا فائدة في جعله أثرا في شيء من المسائل بخلاف العصيان فإنه لا يتفاوت فيه بين النفسي و الغيري و الأصلي و التبعي من الأوامر و النواهي و له آثار شرعية أيضا إذا كان الضد من الأمور التي توجب العصيان فيه حكما من الأحكام كالسفر بل ربما يوجب الفسق لو قيل بأن العصيان هذا من موانع العدالة و إن كان الفسق خلافه و منها فساد العبادة الواقعة في وقت المأمور به على القول بالاقتضاء و الظاهر أن هذه الثمرة من المسلمات بين أكثر الأصحاب سيما القدماء منهم كما يظهر من تتبع كلماتهم و فتاويهم في أبواب الفقه كما في باب قضاء الصلاة فإن كثيرا من القدماء كالشيخين و السيدين و القاضي و الحلي و الآبي على ما حكي عنهم و عن غيرهم ذهبوا إلى فورية