مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٩٤
تلبس المصلي بالطهارة إذ الصلاة ليست هذه الحركات و السكنات التي هي بمرئى منا و مسمع من غيرنا و إنما هي حقيقة واقعية غير حاصلة إلاّ بما اعتبره الشارع فيها من الأجزاء و الشرائط بناء على مذهب الصحيحي كما هو الصحيح و يكون بيان الشارع لها كشفا عما هو الواقع و بوجه أظهر بعد الإغماض عمّا ذكرنا أنه لا إشكال في أن الشارع إنما قيد المشروط بالشرط الذي جعله شرطا و من المعلوم أن الآتي بذات المقيد بدون القيد لا يكون آتيا بالمقيد من حيث إنه مقيد و خروج الشرط عن المشروط إنما هو باعتبار ذاته و أما تقييده فلا بد من التزام دخوله في المشروط و بذلك يصير جزء عقليّا للمشروط و لا ضير فيه فنختار أن الآتي بالمشروط فقط لا يكون آتيا بتمام المأمور به و لا ينافي ذلك فرض خروج ذات الشرط عن المشروط و لو لا أن الشرط باعتبار تقييده معتبر في المشروط يلزم أن يكون الشرط العقلي أيضا مأمورا به كما زعمه المفصّل لجريان الدليل فيه حرفا بحرف كما هو ظاهر نعم يمكن توجيه الاستدلال بأنه قد تقرر في محله أن الشر طية اعتبار عقلي منتزع عن مطلوبية شيء في شيء على وجه خاص و لا معنى لجعل الشيء شرطا لشيء إلا طلبه في ضمن طلبه فلا بد من أن يكون الشرط الشرعي مأمورا به من الشارع و إلا لم يعقل كونه شرطا له لعدم ارتباط به إلا أن فيه أيضا أن بيان الشرطية إما أن يكون ممكنا بدون الأمر كأن يقال بأن الماهية الفلانية يتوقف حصول أثرها على الأمر الفلاني و هذا هو الوجه في انتزاع معنى الشرطية من الأمر الفلاني و إما أن لا يكون ممكنا فعلى الأول لا إشكال في فساد الدليل و على الثاني لا وجه للفرق بين الشرط الشرعي و بين الشرط العقلي و على تقديره فاللازم التفصيل بين المقدمات الشرعية و غيرها شرطا كانت أو جزءا أو سببا أو غيرها كما لا يخفى و قد يتوهم الانتصار لمذهب المفصل بما أشعر به العضدي في تقريب حجة النفي في غير الشرط الشرعي حيث قال لو استلزم وجوبه لزم تعقل الموجب له و إلا أدى إلى الأمر بما لا يشعر به فإنه يظهر منه أن وجه الأمر في الشرط هو شعور المشترط به فإن المفروض أن الآمر أنما يأمر بالصلاة مع الطهارة لا مطلقا و هو في قوة أمره بالصلاة و لعله يرجع إلى ما ذكرنا في توجيه الاستدلال و إلا فمجرد الشعور لا يستلزم الأمر و على تقديره فاللازم الأمر بالأجزاء أيضا لأنها أيضا مشعور بها على تقدير وجوب الشعور بالشرط لا سيما إذا كان جزءا شرعيا على أن فتح هذا الباب يوجب انسداد باب إنكار وجوب المقدمات في الأوامر الشرعية لامتناع الذهول و الغفلة في حقه تعالى ثم إن ظاهر التفصيل أن يكون قولا في قبال التفصيل المقدم و أن لا يكون المفصل قائلا بوجوب الأسباب شرعية كانت أو غيرها و إن كان منافيا لما تقدم من نقل الإجماع من الآمدي و التفتازاني على وجوب السبب فإن التزم المفصل بوجوب الأسباب فهو و إلا فاللازم إما التفصيل في الشروط في إخراج بعض أقسامها و إما القول بوجوب بعض الأسباب الشرعية على قسمين أحدهما ما يكون من الأفعال كالاستقرار في الصلاة و استقبال القبلة و الثاني ما يكون من قبيل الأحوال كالطهارة فإنها هي الحالة الحاصلة بالأفعال المخصوصة من الوضوء و أخويه في نفس المكلف المقارنة لأفعال الصلاة و أكوانها و أما نفس تلك الأفعال فهي ليست من الشروط لانتفاء مقارنتها مع المشروط و لزومها في الشروط و قد عرفت فيما تقدم أن الأمر الحاصل من الأفعال فيما إذا لم يكن فعلا فالتكليف إنما يجب تعلقه بأسبابه و إن كان موردا لأمر نفس تلك الحالة و حينئذ نقول المفصّل إما أن يقول بوجوب القسمين فلا بد من التزامه وجوب هذا القسم من الأسباب و إما أن لا يقول بوجوبهما فلا بد من التفصيل في الشروط إلا أن يقال التزام وجوب هذا السبب إنما هو بواسطة تعلق الأمر الأصلي حقيقة به و هذا ليس تفصيلا في المسألة كما تقدم لعدم اختصاصه بالأسباب الشرعية بل يجري في غيرها أيضا فلا ينافي اقتصاره في المسألة على وجوب الشرط الشرعي على أنه يظهر من العضدي التزامه بوجوب مطلق الأسباب حيث قال رادا على ما احتج به القائل بالوجوب مطلقا إن المستدل بذلك إن أراد بلا تصح و واجب اللابدية فمسلم و إن أراد أنه مأمور به فأين دليله و إن سلم الإجماع ففي الأسباب بدليل خارجي و العمدة ما ذكرنا من أن الأمر الأصلي حقيقة متعلق بالسبب من دون لزوم تجوز كما عرفت مفصّلا و هو الهادي هداية قد عرفت أن الحاكم بوجود الملازمة بين طلب المقدمة و ذيها هو العقل و لا فرق في نظر العقل بين أقسام الطلب من الوجوبي و التحريمي أو الاستحبابي و طلب ترك الشيء على وجه الكراهة و التنزيه لوجود ما هو المناط في الوجوبي في غيره فلا بد من القول بأن التحريم أنما يرشح من المحرم الذاتي إلى ما يوجب وجوده و يوصل إليه و مثل ترشح الوجوب إلى ما به يتوصّل إليه و أما وجوب ما يتوصّل به إلى ترك الحرام فهو ثابت فيما تقدم من وجوب مقدمة الواجب لعدم تعقل الفرق بين أقسام الواجب من الفعل و الترك و لا إشكال في ذلك و إنما المهمّ بيان ما هو الموصل إلى ترك الحرام و توضيح ما هو الموصل إلى فعله و تحقيق ذلك في مقامين المقام الأول في بيان ما هو الموصل إلى ترك الحرام و لعله موقوف على تمهيد فنقول إن العلة التامة لوجود الشيء قد تكون أمرا واحدا لا تركب فيه بوجه و قد تكون أمورا متعددة تجمعها وحدة اعتبارية أو غيرها فعلى الأول لا إشكال في أن وجودها يوجب الوجود و مع ارتفاعها لا بد من ارتفاع المعلول ضرورة امتناع الممكن مع ارتفاع العلة سواء قلنا باستناد العدم إلى علة أو لم نقل إذ على تقديره لا إشكال في ارتفاع المعلول و امتناعه غاية الأمر عدم جواز استناده إلى العدم و على الثاني فوجود المعلول إنما يستند إلى جميع أجزاء العلة التي جمعها وحدة كما تقدم و أما عدمه فيقع بانعدام المركب الذي فرض كونه علة تامة له و ارتفاعه إما بارتفاع جميع الأجزاء و هو ظاهر أو بارتفاع بعض الأجزاء و ليس هذا من تعدد العلل في جانب العدم بل علة العدم على تقدير استناده إلى العلة هو عدم العلة التامة و هو أمر واحد و إن ظهر في موردين كما إذا فرض تعدد أفراد العلة في جانب الوجود فإنه لا يوجب تعدد العلة لأن