مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٩٦
موضوع ما هو الواجب و ذلك لا يوجب العينية في الإرادة و التخيير و في غيرها كما لا يخفى على المتدبر ثم إن ما ذكرنا أنما هو من حيث عنوان المقدمة و هل هناك عنوان آخر غيرها يوجب تحريمها إذا ارتكبها الفاعل إعانة على فعل غيره أو على فعل نفسه أو غير ذلك من الوجوه و العناوين فهو محل الكلام و لا بد في تنقيحه من رسم هدايات لتهتدي بها إلى ما هو الحق من المرام بعون اللَّه الملك العلاّم هداية إذا قصد الفاعل إيجاد معصية مجردا عنها و عما يتوصل به إليها فهل فعل محرما أو لا و على الأول فهل العفو عنه ثابت في الشرع أو لا ظاهر الأكثر هو الأول في المقامين بل لم نتحقق خلافا صريحا في إنكار العفو عنه ما لم يتلبس بالعمل و عنوان العفو في كلماتهم دليل على ذهابهم إلى التحريم و استحقاق العقاب أيضا نعم نسب إلى السيد و شيخنا الطبرسي و بعض العامة القول بكونه معصية و لا دلالة فيه صريحا على عدم العفو لاحتمال إرادة الاستحقاق دون الفعلية كما يظهر من نسبة السيّد الداماد عدم العقاب إلى فقهاء الفريقين و الأصوليين منهم و ذهب بعضهم إلى أنه لم يفعل حراما و هو الظاهر من الشهيد حيث قال نية المعصية لا تؤثر ذمّا ما لم يتلبس بها و هو مما ثبت في الأخبار العفو عنه فإن عنوان العفو و إن كان ظاهرا في ثبوت الاستحقاق إلا أن قوله نية المعصية لا تؤثر ذمّا لعله أظهر في الدلالة على عدم الاستحقاق و قد نسب ذلك إلى الصّدوق أيضا حيث قال اعتقادنا أنّ من همّ بسيئة لم يكتب حتى عملها فإن عملها كتب عليه بسيئة واحدة و لعله ليس في محله فإن قوله لم يكتب ظاهر في العفو إذ على تقدير عدم الاستحقاق ليس موردا للنفي و الإثبات كما لا يخفى و قد نسب بعضهم إلى المحقق الطوسي القول الأول حيث قال في التجريد و إرادة القبيح قبيحة و ظني أنه ليس المراد بالإرادة في عبارته قصد الفاعل بل الظاهر المراد منها هو طلب القبيح و الأمر به كما يظهر بمراجعة شروحه فكيف كان فيمكن الاستدلال على الحرمة بالأدلة الأربعة أما العقل فلقضاء صريح الوجدان باستحقاق الذم لمن همّ مخالفة المولى و اعتقدها في ضميره و عقد عليها في قلبه و لذا يحسن من المولى الإقدام على عقاب من هم بقتل ولده و هتك حريمه على وجه لا يمنعه منه إلا عدم تمكنه منه و هذا مما لا ينبغي إنكاره من أحد و أما الإجماع فيمكن استكشافه فيما نسب إلى شيخنا البهائي من أن كون ذلك معصية مما لا ريب فيه عندنا و كذا عند العامة قال فيما نسب إليه و كتب الفريقين من التفاسير و غيرها مشحونة بذلك إلا أن العفو أيضا ثابت بل هو من ضروريات الدين و مما ستقف عليه في الحكم بالعصيان في التجري و أمّا الكتاب فتدل عليه آيات منها قوله تعالى إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به اللَّه فإنه يعم العزم على الحرام و منها قوله تعالى لا تقربوا الفواحش ما ظهر منها و ما بطن فإن العزم على المعصية من الأخير منها قوله تعالى إن السّمع و البصر و الفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولا سيّما بعد ملاحظة ما عن العيّاشي عن الصادق عليه السلام أنه يسأل عن السمع عما سمع و البصر عما نظر إليه و الفؤاد عما عقد عليه و منها قوله تعالى إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذاب أليم وجه الاستدلال أن الحب من مراتب الميل و الإرادة كما حقق في محله إلا أنه يجامع الموانع التي تمنع عن صدور الفعل فيكون المراد به القصد المجرد أو الأعم منه و من الإرادة التي يترتب عليها الفعل و منها قوله تلك الدّار الآخرة نجعلها للّذين لا يريدون علوّا في الأرض و لا فسادا و قد ورد في تفسيرها عن أمير المؤمنين عليه السلام الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها و منها قوله تعالى و لا تعزموا عقدة النّكاح حتى يبلغ الكتاب أجله و اعلموا أنّ اللَّه يعلم ما في أنفسكم فاحذروه إنّ اللَّه غفور حليم و أما الأخبار فهي كثيرة جدّا و مع ذلك فهي على أصناف الأول ما يدل على وجود المؤاخذة في النية منها قوله صلى اللَّه عليه و آله نية الكافر شرّ من عمله بعد قوله صلى اللَّه عليه و آله نية المؤمن خير من عمله و عن الصادق عليه السلام أنما خلد أهل النّار في النار لأن نيّاتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا اللَّه أبدا و أنما خلدوا أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللَّه أبدا فبالنيات خلد هؤلاء و هؤلاء ثم تلا قوله تعالى قل كلّ يعمل على شاكلته قال علي نيته و في العلل عن أبي جعفر عليه السلام أنه كان يقول نية المؤمن أفضل من عمله و ذلك لأنه لا ينوي من الخير ما لا يدركه و نية الكافر شر من عمله و ذلك لأنه لينوي من الشر ما لا يدركه و عن الصّادقين عليه السلام قال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه و آله نية المؤمن أبلغ من عمله و كذلك الفاجر و عن النبي صلى اللَّه عليه و آله إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل و المقتول في النار قيل يا رسول اللَّه هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه و عن الكافي عن ابن بزيع عن الصادق عليه السلام أنه قال ملعون من ترأس ملعون من همّ بها ملعون من حدث بها نفسه و روى في الكافي من أسر سريرة رآها إن خيرا فخير و إن شرا فشر إلى غير ذلك مما يقف عليها المتتبع الثاني ما دل على العفو لما قد مر من أن عنوان العفو ظاهر في تحقق العصيان كقول الصادقين فيما رواه في الكافي إن آدم قال يا رب سلطت عليّ الشّيطان و أجريته مني مجرى الدّم فاجعل لي شيئا فقال تعالى يا آدم جعلت لك إن من همّ بسيئة من ذريّتك لم يكتب عليه فإن عملها كتبت بسيئة و من همّ منهم بحسنة فإن لم يعملها كتب له حسنة و إن هو عملها كتب له عشرة و عن فضيل بن عثمان المرادي سمع أبا عبد اللَّه يقول قال رسول اللَّه صلى ا للَّه عليه و آله في حديث إلى أن قال و يهمّ بالسيئة إن يعملها فإن لم يعملها لم يكتب عليه شيء و إن هو عملها أجّل سبع ساعات و عن توحيد الصدوق عن الصادق عليه السلام قال من همّ بحسنة فلم يعملها كتب له حسنة فإن عملها كتب له عشرا و يضاعف اللَّه لمن يشاء إلى سبعمائة و من همّ بسيّئة فلم يعملها لم يكتب عليه حتى يعملها فإن لم يعملها كتب له حسنة و إن عملها أجل تسع ساعات فإن تاب و ندم عليها لم يكتب و إن لم يتب و لم يندم عليها كتب سيئة واحدة و عن الصادق عليه السلام إذا همّ العبد بالسيئة لم يكتب عليها و إذا همّ بحسنة كتب له و عن الصدوق عن أحدهما أن اللَّه