مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٨٧
و القبح إلا المقدور و أفعال الحج في ذي الحجة للجالس في البلدان النائي عن مكة غير مقدورة أ لا ترى أن الإنسان إذا أمر عبده بفعل معين في زمان معين في بلد بعيد و العبد ترك المشي إلى ذلك البلد فإن ضربه المولى عند حضور ذلك الزمان معترفا بأنه لم يصدر عنه إلى الآن فعل قبيح يستحق به التعذيب لكن القبيح أنه لم يفعل في هذه الساعة هذا الفعل في ذلك البلد لنسبة العقلاء إلى سخافة الرأي و ركاكة العقل بل لا يصح الضرب إلاّ على الاستحقاق السابق قطعا ثم نقول إذا فرضنا أن العبد بعد ترك المقدمات كان نائما في زمان الفعل فإما أن يكون مستحقا للعقاب أو لا لا وجه للثاني لأنه ترك المأمور به مع كونه مقدورا فثبت الأول فإما أن يحدث استحقاق العقاب في حالة النوم أو حدث قبل ذلك لا وجه للأول لأن استحقاق العقاب إنما يكون لفعل القبيح و فعل النائم و الساهي لا يتصف بالحسن و القبح بالاتفاق فلا وجه للثاني لأن السابق على النوم لم يكن إلا ترك المقدمة و المفروض عدم وجوبها لا يقال نختار أنه يستحق العقاب في زمان الحج مثلا قلتم إ ن الحج في ذلك الزمان ممتنع بالنسبة إليه فكيف يستحق العقاب بتركه قلنا إن أردتم أن الحج في ذلك الزمان بشرط عدم المقدمات ممتنع بالنسبة إليه فمسلم لكن لا يجدي نفعا لأنه لم يجب عليه الحج بهذا الشرط و إن أردتم أن الحج في زمان اتفق فيه عدم المقدمات ممتنع بالنسبة إليه فممنوع إذ يمكن مع انتفاء المقدمات إذ فرق بين المشروطة بشرط الوصف و المشروطة ما دام الوصف فإن سكون الأصابع في زمان الكتابة ممكن و بشرط الكتابة ممتنع لأنا نقول غاية ما ذكرت أن الحج في ذلك الزمان ممكن لذاته و الإمكان الذاتي لا يكفي مصححا للتكليف إذا تحقق امتناع الفعل لعلة سابقة على ذلك الزمان سواء كانت العلة من قبل المكلف أو من قبل غيره و القائلون بامتناع التكليف بما لا يطاق لا يخصونه بالممتنع الذاتي على ما صرحوا به مع أن أدلة ذلك من القبح و السفه العقلي و انتفاء غرض التكليف و عدم إمكان تعلق الإرادة من الميل النفساني جار هنا أ لا ترى أنه إذا قيل يوم النحر للساكن في البلد الثاني عن مكة طف بالبيت في هذه الساعة لنسب القائل إلى ضعف الحكم و وهن اللب و ليس المانع عن هذا القول لفظيا بل المانع معنوي و بالجملة من أنصف من نفسه و راجع إلى عقله و لم يخالف بالتشكيك استقامة فطرته لا يشك في ذلك أصلا فإذا قيل لم يفعل قبيحا يلومه العقلاء إلى يوم النحر لكن فعل في يوم النحر ما يلومه العقلاء و يعاقبونه و هو أنه لا يطوف في هذا اليوم مع أنه في هذا اليوم في البلد النائي عن مكة لحكمت بكذبه و خروجه عن القول المنقول و الكلام المعقول من غير توقف على أن التقرير السابق الذي ساق إليه الكلام أخيرا لم يجر فيه هذا الإعراض انتهى ما أوردنا نقله و أورد عليه المحقق الخوانساري بما لفظه و فيه نظر أما أولا فبالنقض فإنه قد تقرر في محله أن كلا من طرفي الممكن لم يتحقق ما لم يصل حدّ الوجوب في الواقع و على ما ذكر من أن الامتناع و لو كان بالاختيار ينافي العقاب يلزم أن لا يصح العقاب على ترك أو فعل أصلا و الفرق بين حصول الامتناع في ذلك الآن الذي تعلق التكليف بإيجاد الفعل فيه و بين حصوله في الآن السابق عليه تحكم محض إذ الإمكان الذي هو شرط التكليف إنما يعتبر في زمان كلف بإيجاد الفعل فيه لا في زمان آخر و انتفائه في ذلك الزمان حاصل في الصورتين بلا تفرقة على أن كل ما لم يتحقق في زمان فلزوم امتناعه حاصل في الأول بناء على قاعدة الترجيح بلا مرجح و أن الشيء ما لم يجب لم يوجد و لزوم التسلسل أو القدم مدفوع في محله و أما ثانيا فبالحل باختيار أن استحقاق العقاب في زمان ترك الحج في موسمه المعلوم قوله الحج ممتنع بالنسبة إليه فكيف يكون مستحقا للعقاب بتركه قلنا امتناعه إنما نشأ من اختياره سبب العدم و مثل هذا الامتناع لا ينافي المقدورية و الحاصل أن القادر هو الذي يصح منه الفعل بأن يريد الفعل فيجب حينئذ الفعل أو لا يريده فيجب حينئذ الترك و الوجوب الذي نشأ من الاختيار لا ينافي الاختيار و لا فرق بين أن يكون الوجوب ناشئا من اختيار أحد طرفي المقدور أو من اختيار سببه قال المحقق الطوسي في التجريد في جواب شبهة النافين لاستناد الأفعال التوليدية إلى قدرتنا و اختيارنا من أنها لا تصح وجودها و عدمها منا فلا تكون مقدورا لنا و الوجوب باختيار السبب لاحق كيف و لو كان الوجوب باختيار السبب منافيا للمقدورية لزم أن لا يكون الواجب بالنسبة إلى كثير من أفعاله قادرا تعالى عن ذلك علوا كبيرا لما تقرر من أن الحوادث اليومية مستندة إلى أسباب موجودة مترتبة منتهية إليه تعالى انتهى و لا يذهب عليك أن ما ذكره المحقق المذكور بظاهره يوهم جواز التكليف بالممتنع بواسطة الاختيار على ما استفاده منه بعض من لم يسلم فطرته عن الاعوجاج و جبلت طبيعته على اللجاج بل المدار في الجواب هو التحقيق الذي لا مفر عنه من جواز العقاب على نفس المأمور به من دون مدخلية أمر و امتناعه في ذلك الوقت لا يضر في العقاب على تركه بعد استناد الترك إلى اختياره سبب العدم و كذا ما أفاده المحقق الطوسي صريح أيضا فيما ذكرنا نعم قوله و مثل هذا الامتناع لا ينافي المقدورية بظاهره يوهم اتصاف المورد بالمقدورية بعد الاختيار إلا أن من المقطوع من حال ذلك العلم العلامة أن مراده منه المقدورية حال الصدور كما هو ظاهر ثم قال و بما ذكرنا ظهر أن ما ذكر في ذيل لا يقال من أن ترك الحج ليس ممتنعا في ذلك الزمان بل بشرط عدم المقدمات ليس موافقا للتحقيق و إن كان مشهورا بين القوم لأن الأصلين المذكورين سابقا إنما يستلزمان الامتناع في ذلك الزمان أيضا كما لا يخفى و أن ما ذكره في جواب لا يقال من أن غاية ما ذكرت الإمكان الذاتي أيضا منظور فيه لأن ما ذكره القائل و هو المشهور بينهم