مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٧١
بالفعل بواسطة الأمر و لا مصحّح لها في الأوامر المقدمية إذ الأمر المقدمي لا يعقل أن يكون مستتبعا لذلك ضرورة معلومية الغرض الداعي إلى المقدمة و هو التوصّل بها إلى ذيها و بعد العلم بأن المقصود و الغرض منه التوصّل لا معنى للقول بوجوب الإتيان بالمقدمة على وجه القربة و السر في ذلك أيضا هو ما عرفت من أن امتثالها تابع لامتثال ذيها كما أن وجوبها على القول به وجوب تبعي منتزع من وجوب ذيها و هو لا يستتبع امتثالا و لا قربة كما لا يوجب ثوابا و يمكن التفصي عن هذا الإشكال بوجوه أحدها أنها مطلوبات نفسية و مندوبات ذاتية يصح قصد التعبد بها من حيث مطلوبيتها النفسية و ذلك فاسد جدّا أما أولا فلأن التيمم على ما هو المشهور مما لم يقم دليل على كونه مطلوبا نفسيّا فالإشكال فيه باق و أما ثانيا فلأن ذلك غير مجد فيما نحن بصدده إذ لا إشكال في صحة قصد القربة فيما هو المطلوب النفسي و الكلام إنما هو في قصد التعبد بالمقدمة من حيث إنها مقدمة فالوضوء لأجل الصّلاة لا بد و أن يكون على وجه القربة بواسطة الأمر المقدمي و توضيحه أنه تارة يستشكل في أن العبادة كيف تكون مقدمة مع تنافي قضية كل منهما للآخر حيث إن المقدمية لا يقتضي إلا التوصلية و العبادية قاضية بالتعبّدية و هما متنافيان متباينان على ما عرفت في تحديدهما فيجاب بأن لا تنافي بينهما لاختلاف الجهة حيث إن الأمر المقدمي متأخر اعتباره في العبادة عن الأمر الذي تعلق بها و به صارت عبادة كما لو فرض اشتراط الصّلاة بعبادة خارجة مستقلة مأمور بها في حيال ذاتها كالصوم مثلا إذ لا ضير في ذلك فإن المصحح للعبادية فيها هو الأمر الأول و الاشتراط قاض بمقدمية العبادة المفروضة من غير غائلة و أخرى يستشكل في أن الأمر المقدمي كيف يقضي بالتعبدية من حيث إنها مقدمة بعد معلومية الغرض من الأمر بها كما هو مناط الإشكال في المقام و الجواب المذكور لا ينتهض بدفعه لاتحاد جهتي التعبد و التوصل حينئذ كما لا يخفى الثاني أن المقدمة التي تكون عبادة ليست من الأفعال العادية التي تعلم بارتباط ذيها بهما على نحو معلومية ارتباط الصعود على السطح بمقدماته التي يتوقف عليها فإن المعلوم عندنا من الصلاة ليس إلا نفس الحركات و السكنات و نحن لا نعقل توقفا لهذه الصورة على الأفعال الواقعة عند تحصيل الطهارات كما لا يخفى نعم بعد ما كشف الشارع الحكيم عن توقف الصلاة عليها لا بد من إيجادها للتوصل بها إليها و حيث إن الأفعال الواقعة في الطهارات أيضا مما لا نعرف منها إلا الحركة الخاصة فلا بد أن يكون الداعي إلى إيجادها هو توقف الصلاة عليها في نظر الآمر كما أنه لا بد من إيجاد هذه الحركات على وجه يكون في الواقع مما يترتب عليها فعل الصلاة و لا سبيل لنا إلى العلم بذلك إلا أن يقع هذه الحركات على وجه تعلق الأمر بها و لا نعني بالقربة إلا ذلك و توضيحه أن الفعل الواحد قد يختلف وجوهه و ذلك يلازم اختلاف مصالحه و مفاسده كما هو المقرر في مقامه فتارة يكون الفعل معنونا بعنوان حسنا و بعنوان آخر قبيحا فإن علمنا بالعنوان القبيح و الحسن فهو و يكون الفعل حينئذ من الواجبات العقلية فعلا و تركا و إن لم نعلم بذلك مع العلم بأن الشارع لا يأمرنا إلا بما هو الحسن واقعا من عناوين معتورة على ذات الفعل و حيث إنه لا علم لنا به بخصوصه فيجب اتباع الأمر في ذلك للوصول إلى العنوان الحسن واقعا لأن الأمر حينئذ مرآة لذلك العنوان و على قياس ذلك عنوان المقدمية فإن ذوات الحركات الخاصة ربما لا تكون محصلة لما هو المقصود بالأمر بها فلا بد من قصد الحركة التي أمر بها لأجل الصلاة تحصيلا للمقدمة لأن يلاحظ مطلوبية تلك المقدمة و توقف المأمور به عليها عنوان إجمالي لما هو المتوقف عليها و مرآة لها و بالجملة فنحن لا ندعي في الطهارات أن الأمر المقدمي فيها يقضي بالتعبدية حتى يقال بفساده قطعا مع أنه لو صح ذلك لكان جاريا في المقدمات التي تقطع بانتفاء ذلك فيها بل نقول إن ذلك إنما هو من قبل نفس المقدمة حيث إنها لا يعرف وجه التوقف فيها كذا أفيد و لكنه منقوض بجملة من المقدمات الشرعية التي لا نعرف وجه التوقف فيها أيضا فإن ذلك غير مختص بالطهارات كما لا يخفى فتدبر الثالث أنك قد عرفت فيما تقدم أن الأوامر العبادية من حيث تعلقها بمتعلقاتها يغاير الأوامر التوصلية حيث إن نفس الأمر واف بتمام المقصود في الثاني دون الأول فلا بد فيه من بيان زائد على أصل الفعل المطلوب بالطلب المستفاد من الأمر أولا و لا فرق في ذلك بين المقدمة و ذيها فما هو المصحح لأحدهما مصحح للآخر من غير حاجة إلى القول باستفادة التعبدية من الأمر المقدمي و توضيحه أنه كما يمكن أن يكون الفعل ذا مصلحة على تقدير الامتثال به فيجب على المريد لإيصال تلك المصلحة إلى المكلف أن يأمر أولا بذلك الفعل ثم يبين له أن المقصود هو الامتثال بذلك الأمر كذلك يمكن أن يكون الفعل موقوفا على عنوان بشرط أن يكون الداعي إلى إيجاد ذلك العنوان هو توقف ذلك الفعل عليه فهو بحيث لو وجد في الخارج و لم يكن الداعي إليه ترتب الغير عليه لا يكون موقوفا عليه و إذا وجد في الخارج على الوجه المذكور يترتب عليه الغير فالطالب لوجود ذي المقدمة له أن يحتال في ذلك بأن يأمر أولا بذيها و يلزم من ذلك الأمر بما هو مقدمة له في الواقع و هو الفعل المقدمي على الوجه المذكور إلا أنه حيث لا يمكن له الاكتفاء بذلك الأمر فيحتال بالقول بأن المطلوب موقوف على ذلك الفعل على وجه يكون الداعي إلى إيجاده هو التوقف المذكور فما يقتضيه الأمر المقدمي في الحقيقة هو ليس إلا التوصل بالموقوف الذي هو الواجب النفسي غاية الأمر أن ذلك المقدمة حينئذ حصولها و تكونها في الخارج موقوفة على القصد المذكور فلا بد من طلب آخر من سنخ طلب المقدمة لا أن يكون طلبا نفسيا ليلزم ما أوردناه على الوجه الأول ليصح الطلب المذكور و لتكن على بصيرة من ذلك لعلك تطلع على وجه أخرى