مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٥٦
في الأفراد المجتمعة في الوجود مما لا ضير فيه بخلاف التخيير بين غيرها كما في الأفراد المختلفة بحسب اختلاف مراتب الزمان تقدما و تأخرا فإن ذلك يشبه أن يكون التخيير بينهما في الواجبات العقلية تخييرا بين الواجب و ما هو مسقط عنه كما إذا جعل التخيير بين الصوم و السفر المسقط له و الإنصاف أن ذلك أيضا مما لا وجه له إذ لا نجد فرقا بين الأفراد المجتمعة و بين غيرها و ليس ذلك من التخيير بين الواجب و مسقطه فإن المصلحة الداعية إلى طلب الشيء في العقل حاصلة في جميع أفراد الواجب كما هو المعنى من الواجب الموسع شرعا أيضا و لو لم يكن دليل على عدم وجوبه قبل الليل لكنا نفتي بذلك في ذلك الزمان أيضا و لكن الإجماع متحقق ظاهرا على عدم الوجوب قيل الليل لا يقال الحكم المذكور عقلي يمتنع تخصيصه فكيف يقول بقيام الإجماع لأنا نقول قد عرفت أن الدليل المذكور يكشف عن أن الشرط هو القدرة في زمان خاص فلا غائلة في ذلك الثالث أن العقل لا يحكم بوجوب مقدمة الواجب المشروط قبل الوقت و لكن ضيقه و عدم اتساعه للفعل و مقدماته يقوم مقام دخول الوقت فلا بد من الاقتصار على ما هو قدر المعلوم من ذلك و فيه أولا ما عرفت من أنه لا ضير في وجوب المقدمة قبل مجيء زمان ذيها فإنه تابع للإرادة المتعلقة بذيها قبل زمانه نعم لا يتعقل ذلك قبل علمه بتحقق إرادته بل لا يبعد ذلك فيما إذا علم العبد تعلق إرادة المولى بعد ذلك بفعل لا يمكن امتثاله له إلاّ بإحراز مقدمته في الحال كما لا يخفى و ثانيا أن قيام الضيق مقام دخول الوقت لو كان بلا دليل ففساده مما لا يحتاج إلى البيان و إن كان القاضي بذلك العقل فأوله إلى ما ذكرناه و لا فرق في نظر العقل بين أجزاء الزمان الذي يمكن أن يقع فيه المقدمة كائنا ما كان فالتحقيق في المقام هو القول بالتوسعة و اللّه ولي التوفيق و الهداية هداية يصح اشتراط الوجوب عقلا بفعل محرم مقدم عليه زمانا سواء كان من المقدمات الوجودية لذلك أم لا بل ذلك واقع في الشريعة فمن الأول الحج المشروط بطي المسافة على دابة مغصوبة فإنه من مقدماته الوجودية و مع ذلك فعل محرم و يشترط وجوب الحج بوقوعه عند انحصاره في وجه محرم و لا ضير في ذلك إذ قبل وقوعه لا وجوب و بعده يجب و المحرم واقع عند ذلك فلا محذور و من الثاني أنواع الكفارات المترتبة على الأفعال المحرمة من الإفطار و الاصطياد في الإحرام و الظهار و غير ذلك مما لا يمكن الإحاطة بها عن قريب و هل يصح أن يكون الواجب مشروطا بمقدمة محرمة مقارنة للفعل في الوجود أو لا وجهان بل قولان الذي يظهر من ثاني المحققين في جامع المقاصد هو الأول و تبعه في ذلك الشيخ الأجل الفيلسوف في مقدمات الكشف و تبعه في ذلك صهره الصفي التقي في تعليقاته على المعالم و تبعه أخوه الجليل في الفصول فحكم فيه بصحة الوضوء فيما إذا انحصر الماء في آنية مغصوبة و توقف الوضوء على الاغتراف فيها و المشهور على الثاني فحكموا بفساد الوضوء لعدم الأمر به حال انحصار مقدمته في فعل محرم إذ لا يعقل طلب فعل مع تحريم مقدماته و هو المنصور و توضيح المقام أن يقال إذا انحصرت مقدمة الواجب في فعل محرم فتارة يعلم تخصيص دليل الوجوب إذا كان قابلا للتخصيص بما دل على الحرمة فينحصر الوجوب حينئذ بمورد لا يكون ذلك الواجب موقوفا على فعل محرم و تارة يعلم تخصيص دليل الحرمة بما دل على الوجوب فلا يكون ذلك الفعل حراما فيما إذا توقف عليه فعل الواجب كما في حفظ النفس الموقوف على التصرف في ملك الغير مثلا و تارة لا يعلم تخصيص أحدهما بالآخر لعدم ما يقضي بتخصيص أحدهما بخصوصه و حينئذ فالمقدمة إما أن يكون الاشتغال بها قبل الاشتغال بذيها لأنها مقدمة عليه زمانا أيضا كغسل الثوب للصلاة و طي المسافة للحج و نصب السلم للصعود على السطح و إما أن يكون الاشتغال بها حال الاشتغال بذيها كترك أحد الضدين مقدمة لفعل الآخر و كالاعتراف في الآنية المغصوبة حال الاشتغال بالوضوء و إن كان بين هذين المثالين فرق آخر لا كلام و لا إشكال فيما إذا كان دليل الوجوب مخصّصا لدليل الحرمة إذ لا مانع في ذلك لا عقلا و لا شرعا كما أنه لا ينبغي أن يرتاب في عدم الوجوب إذا كان دليل التحريم مخصصا لدليل الوجوب و أما الصورة الأخيرة فلا إشكال أيضا في وجوب الفعل الموقوف على المقدمة المحرمة فيما إذا أقدم المكلف بسوء اختياره على ارتكاب الفعل المحرم و كانت المقدمة مفارقة لذيها زمانا إذ لا محذور على ذلك التقدير فإن قبل وجودها لا تكليف و بعدها لا توقف للفعل الواجب على فعل محرم فلا ضير في التكليف بالحج فيما إذا توقف على ركوب دابة مغصوبة موصلة إلى الميقات بعد وجود الموقوف عليه باختيار المكلف الفعل المحرم و ليس في العقل و لا في الشرع ما ينافي ذلك أما الأول فظاهر و أما الثاني فلاشتراط الوجوب شرعا بنفس المعصية فعند عدم الشرط لا تكليف بالمشروط من دون تعلق التكليف و الوجوب بالمقدمة الوجوبية أيضا و بعد وجود المعصية و حصول الشرط يجب المشروط و لا يعقل تعلق الطلب بالحاصل فلا محذور أصلا إنما الإشكال فيما إذا توقف الواجب على فعل محرم مقارن له في الوجود كترك أحد الضدين الموقوف عليه فعل الآخر و كالاعتراف في الآنية المغصوبة للوضوء الموقوف على ذلك في أثناء العمل فالمشهور على سقوط التكليف في هذه الصورة إذ لو كان الفعل الموقوف على المقدمة المحرمة واجبا فإما أن يكون وجوبه مشروطا بحصول الشرط أو مطلقا أو معلقا و لا رابع بحسب الفرض و إن كان الثالث أيضا فاسدا لما عرفت في الهداية السابقة و الكل فاسد أما الأول فلأن المفروض عدم تحقق الشرط قبل زمان الاشتغال بالفعل فلا تكليف بالفعل عند عدم الشرط و أما الثاني فلأن التكليف بالفعل الموقوف على مقدمة محرمة تكليف بما لا يطاق لامتناع ارتكاب المقدمة الوجودية شرعا و المانع الشرعي كالمانع العقلي و أيضا لو كان واجبا مطلقا يلزم أن يكون المقدمة الوجودية المفضية إليه واجبة مع أنها محرمة و التالي واضح الفساد و الملازمة ظاهرة و أما الثالث فلأن الواجب المعلق على تقدير تعقله فهو إنما يثمر في غير ما هو المعلق عليه و أما في نفس المقدمة