مطارح الأنظار - الشيخ مرتضى الأنصاري - الصفحة ٥٥
بدون الإسلام أو مع الإسلام فعلى الأول فهو تكليف بما لا يطاق إذ التكليف بالشيء المشروط بدون الشرط تكليف بغير المقدور و على الثاني لا يراد منه لأن المفروض أن الإسلام يجب عما قبله فعقابه على ترك مثل التكليف ليس إلا بواسطة تفويته التكليف على نفسه بإدخاله في الكفار الممتنع في حقهم أداء تكليف القضاء إذ لو كان مسلما صح منه الامتثال و أما وجه صحة الأمر بالقضاء فله محل آخر لعلك تطلع عليه و منها حكمهم بعقاب الجاهل المقصر سواء كان من جملة من يعلم إجمالا بوجود أحكام في الشريعة و لم يبذل جهده في تحصيلها و لا يبال بفوتها منه أو كان شاكا صرفا فإن الظاهر منهم حكمهم بترتب عقاب نفس التكاليف الواقعية نعم بعض أصحابنا كالمحقق الفيض و أمين الأخبارية و المحدث البحراني ذهبوا إلى أن الكافر باللّه مكلف بالإيمان به و حين كفره باللّه لا يكون مكلفا بنبوة نبينا صلى اللَّه عليه و آله و المؤمن باللّه مكلف بالإيمان بالرسول و المؤمن بالرسول مكلف بالإيمان بالإمامة و المكلف بالإمامة مكلف بالأحكام الفرعية و استندوا في ذلك إلى بعض الروايات و تعلقوا بذيل التأويل في قوله تعالى بعد قوله ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين و لم نك نطعم المسكين و المشهور أن الجاهل المقصّر معاقب أما إذا لم يكن له علم إجمالي أيضا فظاهر أن عقابه بالأمور الواقعية ليس إلا بواسطة تفويت التكليف في حقهم و أما مع العلم الإجمالي فإن كان يمكن القول بالعقاب على ترك تكليفه المعلوم له فإنه يجب عليه الاحتياط إلا أن الواقع أن الاحتياط أيضا واجب إرشادي لا عقاب على تركه و إنما العقاب على تركه الواجبات فيكون العقاب عليها مع عدم العلم بها تفصيلا و امتناع امتثالها في حقه بواسطة تفويت التكليف و منها حكمهم بعقاب من توسط أرضا مغصوبة حال الخروج منها مع أنه يمتنع تكليفه بعدم الغصب حال الأمر بخروجه الذي هو غصب و ليس ذلك إلا بواسطة أنه فوت التكليف على نفسه حال الدخول أولا و منها ما ذكره الشهيدان من حرمة النوم الثاني في ليلة الصيام لمن يعزم على الانتباه و لم يكن معتادا مع ذهابها إلى المضايقة في حديث الغسل قبل الفجر إذ لو قيل بالمواسعة يمكن القول بالحرمة لأن زمان النوم زمان التكليف و أما على المضايقة فليس الحرمة إلا بواسطة احتمال تفويت التكليف في حقه و إلا فيمكن أن يقال إن زمان النوم ليس زمان التكليف و لا يجب إبقاء القدرة فلا يحرم النوم و إن علم بعدم الانتباه قبل الفجر و منها ما ذكره غير واحد منهم من أنه متى نذر واحد التصدق بشاة مخصوصة على تقدير خاص كقضاء حاجته مثلا لا يجوز له التصرف فيها من نقل و نحوه مطلقا أو فيما إذا علم تحقق المنذور عليه إلى غير ذلك مما لا يخفى على المتتبع في كلماتهم و بالجملة فلا قبح في العقول فيما إذا عاقب المولى عبده عند تقصيره فيما أمره به و لو بواسطة تفويته التكليف على نفسه و لا ينافي ذلك إطباقهم على عدم وجوب مقدمة الواجب المشروط لما عرفت من أن المقدمة الوجوبية مع ك ونها من قيود الفعل لا ينبغي أن يكون موردا للتكليف لأن الطلب إنما يتعلق بالفعل الملحوظ على وجه مخصوص و أما المقدمات الوجودية الأخر فتارة نقول بأنه لو قام الدليل على عدم وجوبها قبل الوقت فلا بد من الالتزام بأن القدرة المعتبرة في هذه الواجبات التي يتوصل إليها بهذه المقدمات قدرة خاصة لا مطلق الاقتدار و تارة نقول بأن ذلك يتم فيما لم يكن الشرط راجعا إلى تقسيم موضوع المكلف كأن كان راجعا إلى تقسيم الفعل و قد عرفت تفصيل ذلك فلا نطيل بالإعادة فتدبر في المقام فإنه حقيق بذلك جدّا تتميم تحصيليّ قد عرفت أن وجوب المقدمة على القول به وجوب يدعو إليه العقل بعد اطلاعه على وجوب ذيها و بذلك يرتفع الإشكال في الموارد المذكورة و هل العقل يدعو إلى الإتيان بالمقدمة قبل زمان ذيها في كل زمان يقتدر عليه و لا يفرق بين الزمان المقارن لزمان ذيها و بين غيره أو يقتصر حكمه به في آخر زمان لا يتمكن بعده من الامتثال وجهان بل قولان كما يظهر ذلك من ملاحظة أقوالهم في الغسل قبل الفجر فقال بعضهم بأن الواجب هو الغسل في زمان يمكن أن يقع فيه قبل الفجر و هو المنسوب إلى المشهور و قال بعضهم إن الواجب هو الغسل في أي جزء من أجزاء الليل كان و هو خيرة المحقق الخوانساري و هو المنصور و يمكن أن يكون مستند المشهور أمورا أحدها دعوى أن الغسل قبل زمان التضييق ليس مقدمة للواجب و لا شرطا له فإن الشرط على ما ذكر في تحديده هو ما يلزم من عدمه العدم و لا يلزم من وجوده الوجود و لا يلزم من عدم الغسل في غير آخر الوقت عدم المشروط إذ لو عدم في الأول يمكن إيجاده في آخر الوقت فلا يلزم من عدمه عدمه فلا يكون شرطا و هذا مما أفاده بعض مشايخنا المعاصرين و الإنصاف أنه ليس في محله فإن المراد بالعدم المأخوذ في تعريف الشرط الذي يلزم منه عدم المشروط هو عدمه مطلقا في جميع الأزمان لا عدمه في زمان خاص و إلاّ فعدمه في الزمان الآخر أيضا لا يلزم منه العدم إذا كان مسبوقا بوجود الشرط قبله و بالجملة فإن أراد أن عدمه في الجزء الأخير و إن سبقه الوجود فهو باطل جدّا و إن أراد أن عدمه فيه مع عدمه في زمان قبله يلزم منه العدم فهو مسلّم لكنه لا يجديه إذ عدمه في الجزء الأول مع عدمه في باقي الأجزاء أيضا يلزم منه العدم الثاني أن ما دل على وجوب المقدمة قبل الوقت لا يدل على أزيد من الزمان الذي يمكن أن يقع فيه الفعل المقدمي قبل زمان الواجب و هذا هو الذي اعتمد عليه الأستاذ في مباحث الطهارة و توضيحه أن الداعي إلى إيجاد المقدمة في الخارج قبل الوقت ليس إلا العقل و هو لا يظهر منه التحريك إلى الفعل قبله لاطمئنانه بفعله بعده فلا دليل على الوجوب فيما عدا زمان التضييق فإن قلت إن العقل يحكم بالوجوب في تمام الزمان إلا أن التوسعة فيه هو الباعث على اطمئنانه و عدم اضطرابه كما إذا كان الوجوب متعلقا بماهية ذات أجزاء مجتمعة في الوجود فإن العقل لا يبالي بترك بعض الأفراد ما لم ينحصر في الفرد الأخير كما لا يمكن القول بأن الواجب من هذه الأفراد المجتمعة هو الفرد الأخير فكذا فيما نحن فيه قلت فرق بين المقامين فإن التخيير